الرفاعي: لبنان يحتاج إلى احترام القانون وإلى شراكة وطنية حقيقية

وطنية- بعلبك- اعتبر مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي أنّ "من أهم دروس البناء الحضاري أن المجتمع لا يحتاج إلى أن يكون أفراده متشابهين حتى يتعاونوا. بل يحتاج إلى أن يعرفوا كيف يحوّلون الاختلاف إلى تعارف، والتنوع إلى تكامل، والخلاف إلى حوار، والمصالح المتعارضة إلى تعاقد يضبطها. وهنا تصبح الشورى أكثر من مصطلح تاريخي؛ إنها ثقافة تمنع الاستبداد بالرأي، وتفتح المجال أمام الخبرة والكفاءة والمشاركة".

وأضاف في خطبة الجمعة: "في لبنان، ربما كان أكبر امتحان أمامنا هو قدرتنا على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، لا يكفي أن نتوافق عندما تقع الكارثة، ولا أن نتذكر المصلحة العامة عندما نحتاج إلى حل أزمة؛ بل المطلوب أن تصبح المصلحة العامة قاعدة دائمة في السياسة والإدارة والعلاقات بين اللبنانيين".

وأكد أنّ "لبنان يحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وإلى احترام القانون، وإلى شراكة وطنية حقيقية، وإلى إدارة رشيدة للتنوع، وإلى علاقات عربية ودولية متوازنة تحمي مصالحه وتفتح أمامه أبواب النهوض".

ودعا إلى"أن يكون كل واحد منا على قدر الأمانة التي حُمّلها؛ في بيته، وفي عمله، وفي مجتمعه، وفي وطنه، وفي موقفه من قضايا أمته، فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات، والمجتمعات لا تنهض بالشعارات، والأمم لا تستعيد مكانتها بمجرد الحنين إلى ماضيها؛ وإنما تنهض حين تستعيد الإنسان القادر على حمل الأمانة وصناعة المستقبل".

وأشار إلى أنّ "قيمة الإنسان ليست في قوته ولا في ماله ولا في موقعه، وإنما في قدرته على حمل الأمانة. وكلما اتسعت قدرته اتسعت مسؤوليته؛ فالمال أمانة، والعلم أمانة، والسلطة أمانة، والكلمة أمانة، والأسرة أمانة، والوطن أمانة".

وقال: "بختم النبوة انتهى زمن الوحي الذي ينزل على الأنبياء، لكن لم تنتهِ مسؤولية الإنسان؛ بل بدأت مرحلة جديدة: مرحلة الإنسان الذي يحمل الأمانة بعقله ووعيه وعلمه واجتهاده. ولذلك فإن الدين لا يريد إنساناً يكتفي بالتلقي، وإنما إنساناً يفهم ويعقل ويميّز ويختار ويتحمل نتائج اختياره".

وأردف: "حين قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ لم يمنح الإنسان رخصة للفساد، وإنما حمّله مسؤولية الإصلاح. ولذلك كان السؤال القرآني ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.

وهنا الامتحان الحقيقي: هل يحوّل الإنسان ما أعطيه من علم وقوة إلى عمران، أم إلى هيمنة وإفساد وسفك للدماء؟".

وأكد أنّ "العالم لا يعاني اليوم من نقص في المعرفة والقوة والتكنولوجيا، بل من أزمة في توجيه هذه القوة. فالإنسان استطاع أن يصل إلى الفضاء، وأن يطوّر الذكاء الاصطناعي، وأن يملك أسلحة قادرة على تدمير مدن، لكنه لم ينجح دائماً في تطوير منظومة أخلاقية وسياسية تمنع القوة من التحول إلى ظلم"، موضحًا أننا "أمام عالم يتغير بسرعة؛ مراكز القوة تتعدد، والتحالفات تتبدل، والمصالح الاقتصادية والأمنية أصبحت أكثر تشابكاً. ولم تعد الدول الكبرى وحدها قادرة على رسم كل قواعد النظام الدولي كما كان في السابق".

ولفت إلى أن"التحول الحقيقي لا يكون في تبدّل أسماء القوى فقط، بل في السؤال عن طبيعة النظام الذي سيولد من هذا التحول: هل يكون العالم أكثر عدلاً وتوازناً، أم أن الصراع على النفوذ سيعيد إنتاج منطق الهيمنة بأشكال جديدة؟".

وختم الرفاعي: "في منطقتنا العربية والإسلامية، لا تنقصنا القضايا العادلة، ولكن التحدي أن نمتلك الأدوات التي تجعلنا قادرين على حماية مصالحنا وصناعة مستقبلنا. فلسطين، والقدس، وغزة، وسوريا، وسائر أزمات المنطقة، لا تحتاج إلى العاطفة وحدها؛ بل تحتاج إلى علم، واقتصاد، ومؤسسات، ووحدة، ووعي، وقدرة على بناء العلاقات والتحالفات، القضايا الكبرى لا يحملها الانفعال وحده؛ يحملها الإنسان القادر والمؤسسة القادرة والدولة القادرة".

===================


المصدر الأصلي