وطنية - نظمت مؤسسة “ثقافة وحريات” لقاءً حوارياً مع وزير الإعلام المحامي د. بول مرقص بعنوان “قانون الإعلام الجديد”، بمشاركة الوزيرين السابقين إبراهيم نجار وزياد بارود، وعدد من الشخصيات الدبلوماسية والأكاديمية والعسكرية والثقافية والإعلامية.
وكان وزير العدل السابق البروفسور إبراهيم نجار الذي استضاف اللقاء، أثنى على شخصية الوزير مرقص، واصفاً إياه بـ”الرجل العصامي الموثوق الذي يتمتع بالكفاءة والنزاهة والوعي”، مشيراً إلى “أن فخامة الرئيس أحسن الاختيار بوضعه في هذا المنصب، نظراً لإلمامه بالشؤون القانونية والحياتية والإعلامية والاجتماعية وانفتاحه الفكري”.
وتطرق إلى تاريخ قانون الإعلام، مستذكراً حقبة عمله في وزارة العدل بين عامي 2008 و2010 وما شهدته من “حملات ضد القضاة ونشر لملفات التحقيق الحساسة، مما استدعى المطالبة الملحة بقانون للإعلام، وهو ما قام بإحالته آنذاك إلى مجلس الوزراء ومنه إلى مجلس النواب”.
وأشار إلى “الثغرات التي كانت قائمة سابقاً، مثل التخبط في أحكام محكمة المطبوعات وتفاوت غراماتها، وغياب ضوابط الجرائم الإلكترونية، والتنازع في الصلاحيات القضائية، فضلاً عن الافتقار إلى ميثاق شرف إعلامي أو آداب للتعاطي المهني”، مشدداً في الوقت ذاته على أن “قضايا حقوق المرأة وحقوق الإنسان لا يمكن تجاوزها أو المرور عليها مرور الكرام”.
وأبدى ارتياحه “لوجود وزير واعٍ لهذه الملفات، مما وفر مرجعاً قانونياً يمكن الركون إليه حتى مع احتمال الحاجة لإصلاحات طفيفة مستقبلاً”.
وشدد على أن “هذا العهد قد أصاب وأحسن بسعيه الجاد لإصدار حزمة من القوانين الحيوية دفعة واحدة”، واصفاً إياها بـ”رشقات من القوانين التي شملت الإصلاح المصرفي، وإلغاء عقوبة الإعدام، وقانون العفو، وقانون الإعلام”، معتبراً أن هذا الإنجاز يمثل “إثباتاً واضحاً على توجه العهد نحو المسار الصحيح”، مؤكداً “الحاجة لرجال ونساء يمتلكون الشجاعة والموثوقية لمواصلة هذا المسار الإصلاحي”.
بدوره، لفت الوزير السابق زياد بارود إلى أن “قراءة قانونية وإعلامية معمقة برزت حول القانون الجديد الذي بات اليوم أمراً واقعاً”، مشيراً إلى أن أهمية هذا القانون تكمن في كونه قد أصبح “نصاً متكاملاً وقائماً، على عكس مشاريع أخرى، كقانون اللامركزية الموعود منذ عام 1989”.
وأشار إلى أن “هذا المشروع الذي انطلق منذ عام 2014 قد وصل أخيراً إلى خواتيمه بعد نقاشات طويلة واكبت مسيرته حتى جفاف حبر توقيع فخامة الرئيس عليه”.
وشدد على أن “الهدف من هذا اللقاء ليس مجرد استعراض النص، بل المناقشة بروحية تهدف إلى الإصلاح والانتقال نحو واقع أفضل، بعيداً عن الرؤى التي تعيش في الماضي”، مشيراً إلى أن “قانون الإعلام، وإن كان قائماً، إلا أنه يظل قابلاً للتعديل والتطوير تحت قبة البرلمان إذا دعت الضرورة، بما يواكب تطلعات المستقبل ويخدم حريات التعبير في مساحة حوارية يسودها التعلم المتبادل وإسقاط الأفكار المسبقة”.
أما الوزير مرقص، فأعرب عن سعادته “البالغة بالتواجد وسط نخبة من العقول والطاقات الفكرية والقانونية”، وقال: “هذا اللقاء يمثل فرصة جوهرية لمناقشة التطورات الكبيرة التي طرأت على المشهد الإعلامي اللبناني عقب صدور قانون الإعلام الجديد، الذي انتظرناه طويلاً لأكثر من 16 عاماً في أروقة اللجان النيابية”.
وأوضح أنه، منذ توليه مهامه كقانوني في الوزارة، وضع نصب عينيه “خطة شاملة لإعادة الروح لمؤسسات الدولة الإعلامية، بدءاً من تلفزيون لبنان الذي يشهد اليوم ورشة تحديثية ملموسة، وصولاً إلى تنظيم الأرشيف الوطني والعربي الذي نعتبره كنزاً لا يقدر بثمن، فضلاً عن تطوير الوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان”.
وفي ما يخص “تلفزيون لبنان”، أوضح أن “المؤسسة استعادت حيويتها بفضل طاقات اللبنانيين في الخارج، بما يلبي تطلعات اللبنانيين المقيمين والمنتشرين الذين ينشدون الموضوعية والأصالة”، كاشفاً عن “إنجاز ضخم في ملف الأرشيف الوطني الذي أصبح اليوم مرقماً ومحفوظاً وفق المعايير الدولية، وتم ترشيحه لـ”ذاكرة العالم” في اليونسكو”.
وشدد على أن “مبنى الحازمية واستديوهاته استعادت بريقها المعهود بعد تجديدها بالكامل”. وبالتوازي، أطلقت الوكالة الوطنية للإعلام بحلة جديدة تضمن سهولة الوصول إلى المعلومات، معتمداً في ذلك على مساهمات وهبات من القطاع الخاص لم تكبد خزينة الدولة أعباء إضافية.
وفي المسار التشريعي، لفت الوزير مرقص إلى أن “قانون الإعلام الجديد خضع لنقاشات مستفيضة في اللجان النيابية بمواكبة من اليونسكو ومنظمات دولية ومحلية مثل “مهارات””.
وختم بالإشارة إلى أن “القانون الحالي حظي ببيانات ترحيب دولي واسع من اليونسكو والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وسفارات كبرى ومنظمات دولية ومحلية معنية، كونه يشكل ركيزة لتحسين تصنيف لبنان العالمي في حرية الصحافة، والذي تقدم بالفعل من المرتبة 142 ليسبق 25 دولة أخرى في هذا العهد الرئاسي”.
وشدد على أن “أهمية القانون تكمن في تحديده لأول مرة مفهوم “الإعلامي”، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة متعددة التمثيل النقابي والاعلامي والأكاديمي. كما يتضمن القانون نصوصاً رائدة لمكافحة خطاب الكراهية وتنظيم المواقع الإلكترونية وإلغاء محكمة المطبوعات، مما يشكل نقلة إصلاحية”.
ثم كانت نقاشات وأسئلة من الحضور، أكد خلالها الوزير مرقص أن “إقرار قانون الإعلام الجديد يمثل محطة تاريخية ومنعطفاً جذرياً في مسار تنظيم القطاع، فهو ليس مجرد نص تشريعي بل هو نقلة نوعية من شأنها تغيير المشهد الإعلامي في لبنان مع انفتاحه على كل تطوير سيظل يسعى إليه”.
وأشار إلى أن “هذا القانون، الذي يضم أكثر من مائة مادة، ينحو باتجاه التحرر، حيث استبدل نظام “الترخيص المسبق” بنظام “العلم والخبر” وفق معايير مهنية واضحة”.
ولفت إلى أن “هذه المعايير تشمل تحديد هوية صاحب الموقع والمدير المسؤول، وضرورة وجود محررين ذوي خبرة وشهادات، بالإضافة إلى سياسات تحريرية وموجبات مهنية وشفافية في التمويل تشمل كافة الوسائل الإعلامية والمنصات”.
وفي ما يخص الهيئة الناظمة للإعلام، أوضح الوزير مرقص أنها “ستتمتع بصلاحيات فرض غرامات مالية مشددة قد تصل إلى مئة ضعف الحد الأدنى للأجور، ولها الحق في إحالة المخالفات التي تتجاوز صلاحياتها إلى القضاء”.
وأضاف أن “القانون يلحظ إنشاء غرف قضائية مدنية متخصصة في كل محافظة للنظر في المخالفات الإعلامية بدلاً من محكمة المطبوعات الجزائية”.
وعلى صعيد هيكلية وزارة الإعلام، قال: “هناك عمل جاد لدينا لتحويلها إلى “وزارة التواصل” عبر مشروع قانون مستقل، حيث يركز المقترح على إعادة صياغة المهام والصلاحيات، فالإشكالية تكمن في المضمون والوظيفة التي يجب أن تضطلع بها لتواكب العصر لا في التسمية فحسب”.
وقال الوزير مرقص: “إن دور وزير الإعلام يتجاوز مجرد الظهور الرسمي ليشمل صياغة الاستراتيجية الإعلامية للحكومة، والقيام بجهود لشرح مقررات الحكومة، بالإضافة إلى ضرورة وجود “دفاع إعلامي” يشرح مسار الإصلاحات الحكومية للرأي العام في وجه المتضررين منها”.
وأضاف: “كما أن للوزارة دوراً حيوياً في التعبير عن مقررات مجلس الوزراء، وإدارة ملفات حساسة كالأرشيف المشترك وشؤون المراسلين الأجانب، خاصة خلال الحروب، حيث يتم تسهيل مهماتهم وتراخيص عملهم بالتنسيق مع الأمن العام ووزارة العمل”.
وفي إطار إجابته على أسئلة الحضور، أشار إلى أن “الحاجة كانت ملحة لكسر حال الجمود التي استمرت لثلاثة عقود، وهذا القانون يأتي لتغيير واقع عمره 30 سنة بعد نقاشات برلمانية استمرت 16 عاماً”.
وأضاف: “في ظل تداعيات الحرب وتصاعد خطاب الكراهية، أطلقنا حملات توعوية واسعة بالتعاون مع اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيفيل، كما شملت جهودنا شراكات مع شركة إنتاج الصباح لتنفيذ حملات وصلت للمدارس والجامعات دون أعباء مالية على الدولة، بهدف تشجيع المواطنين على التعبير عن آرائهم بحرية تقترن بالاحترام المتبادل وصون كرامة الآخرين، ترسيخاً لنموذج الحوار الراقي”.
وفي ختام اللقاء، توجه الجميع إلى الحديقة، حيث كشف نجار عن عمل فني فريد، عبارة عن منحوتة حديدية نتجت عن شراكة عائلية مبتكرة شارك فيها ابنه وزوجته، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميمها.
وأشار إلى أن هذا العمل يهدف إلى “إثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على الاندماج في الثقافة والحياة المؤسسية جنباً إلى جنب مع الذكاء البشري”، داعياً الحضور إلى “معاينة هذه التجربة التي تمزج بين الفكر التقليدي وأدوات العصر الحديث”.








