وطنية - ألقى السيّد الدكتور جعفر فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:"البداية ممّا يعانيه عالمنا العربيّ والإسلاميّ وخصوصًا لبنان، الّذي لا يزال يتعرّض لعدوان صهيونيّ متواصل، في القصف المدفعيّ وغارات الطّيران على القرى المحاذية لخطوط التّماس مع قوّات الاحتلال، تواكبها حركة المسيّرات الّتي تصل إلى العاصمة، بيروت، والبقاع، والأخطر في ممارسات هذا العدوّ إمعانه في سياسة التّجريف والتّرميد؛ الهادفة إلى القضاء على هويّة شعبٍ ومحو تاريخ يمتدُّ لأجيال ماضية تمثّل جذورنا، ويهدّد مصير الأجيال القادمة، ولا تخفي أوساط العدوّ أنّ هذه الأرض سوف تكون مستقبلًا موضع استهداف الاستيطان الصّهيونيّ، بعد أن بات للمستوطنين الوزن السّياسيّ المقرّر في المعادلة الدّاخليّة الصّهيونيّة، وحيث تتسارع وتيرته في الضفّة الغربيّة برغم كلّ الاتّفاقات والقوانين الدّوليّة الرّافضة للاستيطان".

وقال:"فيما يواصل العدوّ هذا النّهج العدوانيّ، تثبت الجولات التّفاوضيّة المتتالية فشل الإدارة الرّسميّة للتّفاوض في استرداد حقّ لبنان في أرضه وإعمارها. حتّى أنّ المسار الدّيبلوماسيّ يبدو في كثير من الأحيان، أنّه يساهم في التّغطية على استمرار الاحتلال وحمايته من أيّ إدانة تستوجبها الممارسات العدوانيّة وضربه بعرض الحائط لكلّ الاتّفاقات، ما يؤكّد على أنّ هذه الدّبلوماسيّة لوحدها، لن تكون مجدية بل قد تلحق الأضرار بالمصلحة اللّبنانيّة".

ورأى انه" على لبنان السّعي إلى امتلاك أوراق القوّة من خلال العمل على توحيد الموقف الدّاخليّ، وتوظيف الضّغط الشّعبيّ، وعلاقات لبنان الإقليميّة والدّوليّة مع كلّ القوى المؤيّدة للحقّ اللّبنانيّ، واستثمار كلّ هذه العناصر بفعاليّة لتحقيق الأهداف الوطنيّة. أمّا المسألة الثّانية، فإنّه من الخطأ القاتل أن يضع هذا البلد كلّ بيضه في سلّة الرّعاة الدّوليّين للاحتلال وللإبادة الجارية في فلسطين، فمن يفعل ذلك، إنّما يضع حاضره ومستقبله تحت مقصلة الاحتلال، ويسوق إليها نفسه قبل أن يسوقه الجلّاد، وخصوصًا بعد أن غاب أيّ دور لمؤسّسات الأمم المتّحدة ومجلس الأمن بما يضع حدًّا لسياسات العبث بمصالح الدّول وحقوقها".

ودعا مجدّدًا إلى "مراجعة فعليّة لسياسة التّفاوض القائمة، ولكلّ المواقف والتّوجّهات الّتي لم تكتفِ بإعلان عجزها عن فعل أيّ شيء بل عملت على التّفريط بعناصر القوّة الوطنيّة قبل أن تنتزع الحقّ اللبنانيّ، ما شجّع ويشجّع العدوّ على المضيّ في جرائمه من دون تحسّب لأيّ ردّ فعل داخليّ أو خارجيّ".

وقال:"إنّ هذا العالم لن يحترم إلّا الدّولة القويّة، وإذا أردتم مثل هذه الدّولة فكونوا وحدةً على العدوّ واعملوا على تسييج البلد وتحصينه بكلّ وسائل القوّة، فتحقّقون بذلك التّوازُن الّذي يفرضَ نفسه على الجميع، هذا ما تُعلّمنا إيّاه الدّروس الّتي حصلت في خلال السّنوات الماضية.

أمّا منطق استضعاف الذّات، فلا يجرّ سوى إلى المزيد من الضّعف والاستضعاف، والخاسر الأكبر هو هذا البلد، جغرافيّته وديمغرافيّته وتاريخه ومستقبله، ولن يسلَم من الخسارة أحد، وعلى الجميع أن يخرجوا من الأوهام".

وتابع:"أمّا على صعيد الخطاب، فلا يجوز أن يكون الحقد ثقافة هذا البلد، لأنّ الحرب ستضعُ أوزارها عاجلًا أم آجلًا، وما عاشه النّاسُ لبعضهم مع بعض ومن احتضان واسع للنّازحين من أهلنا في أكثر من منطقة خلال الحرب، دليلٌ على ما كان يقولُه السّيّد فضل الله من أنّه إذا كان السّاسة في هذا البلد قد عجزوا عن أن يقيموا حوارًا جادًّا وفاعلًا في ما بينهم، فإنّ النّاس حاوروا بعضهم بعضًا، وعاشوا متفاعلين لبعضهم مع بعض، وقطفوا النّتائج، وبقي هناك في الأبراج العاجيّة من يجادل في هويّة الحوار وشروطه!".

وقال:"لننزل إلى الواقع، ونتطلّع إلى ما يعيشه النّاس من طهارة إنسانيّة ووطنيّة، هؤلاء العابرين لكلّ الطّوائف والمناطق والجماعات والأحزاب، والّذين مصيرهم واحد، وأزماتهم الحياتيّة واحدة، لنتعلّم منهم كيف نرتقي بعلاقاتنا السّياسيّة لبناء وطن على الصّورة الّتي يريدونها، ولقيام دولة تحتضنهم جميعًا بدلًا من الاستغراق بخطاب الكراهية الّذي يريد أن يشوّه أرواحهم وطهارتهم، ليضعوا الحواجز والمتاريس في ما بينهم باسم هذا الزّعيم أو ذلك، وليرفعوهم مجدّدًا على أكتافهم حتّى وهم يدوسون على مستقبلهم".

وعلى الصّعيد الإقليميّ، اعتبر انه"على الدّول العربيّة والإسلاميّة أن تُدرك أنّ أمنها مشترك، وأنّ مصيرها واحد، وأنّ لا خيار لها سوى أن تُتنج تجربتها الحضاريّة والإنسانيّة المستقلّة، وهي قادرة على ذلك، عندما تخلعُ عنها سياسات المحاور الدّوليّة الّتي لم تكن يومًا إلّا نارًا على الجميع، حتّى لو خيّل للبعض أنّ في هذه النّار منفعة له...

لقد أنفقت الأموالُ الطّائلة الّتي أحرقت أوطاننا، ومزّقت مجتمعاتنا، ودمّرت سياستنا، وجعلتنا جميعًا مكشوفين لعدوّنا التّاريخيّ الّذي أسفر عن أهدافه في شكل فجّ وصريح، حين استعاد مشروعه السّياسيّ المثقل بنصوصٍ دينيّة محرّفة، في التّطلّع إلى بناء إسرائيل الكبرى، وفي تكفير كلّ البشر وتحقيرهم".

وقال:"لا غنى لكم عن التّعاون الإسلاميّ والاجتماع العربيّ، على قاعدة تحقيق مصالح شعوب المنطقة وأمنها وتمكينها من بناء نموذجها الحضاريّ الّذي نعتقد أنّه حاجة للعالَم، بعد فشل الرّأسماليّة والامبرياليّة في تحقيق الأمن والسّعادة الحقيقيّين.

لدى منطقتنا ما يكفيها للنّهوض بها وعلى كلّ المستويات، والمطلوب فقط هو الإرادة".

المصدر الأصلي