رفضت الولايات المتحدة المناشدة العلنية التي وجّهها الرئيس اللبناني جوزاف عون لتمديد مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والمستمرة منذ 48 عاماً في جنوب لبنان الخاضع للاحتلال الإسرائيلي، مؤكدةً أن الترتيبات الأمنية الأخيرة بين إسرائيل ولبنان، والتي تم التوصل إليها بوساطة أميركية، ستحل محلها.

ومن شأن هذا الموقف أن يجعل اتفاق إسرائيل ولبنان المبرم في 26 يونيو خلفاً لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وهي قوة متعددة الجنسيات لحفظ السلام تعمل في لبنان منذ نحو نصف قرن. وبموجب ذلك، ستنتقل مسؤولية الأمن إلى القوات المسلحة اللبنانية.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة”، في إشارة إلى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان التي تضم نحو 7400 عنصر: “لا تؤيد الولايات المتحدة تمديد ولاية اليونيفيل إلى ما بعد مدتها النهائية التي تنتهي في 31 ديسمبر 2026”. وأضاف المسؤول: “نحن نعتبر أن اليونيفيل قد فشلت”.

وكان مجلس الأمن الدولي قد صوّت بالإجماع، في 28 أغسطس 2025، على تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026. وينص القرار على أن توقف البعثة، التي بدأت عملها عام 1978، عملياتها في ذلك التاريخ، ثم تشرع في انسحاب منظم من لبنان قد يستمر حتى عام 2027.

ويحمل موقف واشنطن وزناً كبيراً؛ إذ إنها أكبر مساهم منفرد في تمويل اليونيفيل، حيث تغطي نحو ربع ميزانيتها، كما أن عضويتها الدائمة في مجلس الأمن تتيح لها منع أي تمديد لمهمة حفظ السلام.

وأُنشئت اليونيفيل عقب اجتياح إسرائيل جنوب لبنان في مارس 1978، ثم توسعت مهامها وقوامها بشكل كبير بعد حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله الذي تصنّفه واشنطن منظمة إرهابية. وتشمل ولايتها الرسمية مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساعدة الجيش اللبناني على بسط سلطة الدولة جنوب نهر الليطاني، وهي منطقة ينشط فيها حزب الله تقليدياً.

وكان عون قد دعا في وقت سابق من هذا الأسبوع إلى إبقاء القوة الدولية.

وقال عون، الاثنين، بحسب وسائل إعلام لبنانية: “خيارنا الأول هو تمديد ولاية اليونيفيل. وإذا لم تُجدَّد، فإن خيارنا الثاني هو اعتماد إطار يضمن استمرار وجود قوات دولية في الجنوب”.

وأضاف عون أن إسرائيل تضغط “منذ نحو عام” لإنهاء وجود اليونيفيل، رغم أن بيروت ترى أن القوة الدولية ضرورية للحفاظ على الاستقرار.

ويأتي هذا الخلاف وسط تحوّل جذري في المشهد الأمني في لبنان.

فقد اجتاحت إسرائيل لبنان مجدداً في مارس من هذا العام، بعدما انضم حزب الله إلى الصراع الإيراني مع إسرائيل والولايات المتحدة. ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أراضٍ لبنانية رغم وقف إطلاق النار الذي أُبرم لاحقاً وأشهر من المحادثات مع بيروت.

ومنذ استئناف النزاع في 2 مارس، نزح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، وفقاً لليونيفيل. كما استمرت الضربات والعمليات العسكرية الإسرائيلية خلال المفاوضات، فيما قاوم حزب الله المطالب بنزع سلاحه قبل انسحاب إسرائيل بالكامل.

وتقول واشنطن إن الاتفاق الأمني الذي توسطت لإبرامه بين إسرائيل ولبنان في 26 يونيو يوفر مساراً مختلفاً لإدارة النزاع بعد رحيل اليونيفيل.

وعقد مسؤولون لبنانيون وإسرائيليون هذا العام سبع جولات من المحادثات بوساطة أميركية، بهدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة بسط سلطة الدولة اللبنانية على الجنوب، فيما من المقرر عقد اجتماع آخر في روما مطلع الشهر المقبل. وبموجب اتفاق 26 يونيو، تعهدت إسرائيل بالانسحاب من “مناطق تجريبية” محددة للسماح للقوات المسلحة اللبنانية بالانتشار مكانها، ونزع سلاح حزب الله، وبسط سلطة الدولة.

وحتى الآن، لم تنسحب إسرائيل سوى من منطقة واحدة من هذه المناطق. كما لم يتفق الجانبان بعد على الدول التي ستشارك في لجنة من أطراف ثالثة، مكلفة بالتحقق من نزع سلاح حزب الله في المناطق التي تُسلَّم إلى القوات المسلحة اللبنانية.

وعلى الرغم من بقاء هذه التفاصيل من دون حسم، ترى واشنطن أن تلك الآلية تمثل النظام الأمني الجديد الذي ينبغي اعتماده بعد انسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

وقال مسؤول وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة”: “نحن الآن أمام وضع مختلف في ظل الإطار الثلاثي، الذي يرسم مساراً قائماً على استيفاء شروط محددة، وصولاً إلى أمن دائم وعلاقات سلمية بين إسرائيل ولبنان. ومع الإنهاء التدريجي لعمل اليونيفيل، نتوقع تنفيذ هذا الإطار”.

وأضاف المسؤول أن واشنطن تعتقد أن اليونيفيل أخفقت في منع “سبع جولات من الصراع” مع إسرائيل، وكذلك في منع الحشد العسكري واسع النطاق لحزب الله في جنوب لبنان. وقال أيضاً إن حزب الله أقام بنية تحتية عسكرية في محيط مواقع الأمم المتحدة مباشرة، واستغل قربه من قوات حفظ السلام درعاً له.

ومع ذلك، لا تستبعد واشنطن جميع أشكال المشاركة الدولية بعد رحيل اليونيفيل.

وقال المسؤول: “يجب أن يكون أي وجود دولي جديد مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأهداف الملموسة للإطار، بدلاً من الانخراط إلى أجل غير مسمى في التوسط لإدارة وضع قائم لم يُحسم. ولسنا مهتمين باستبدال مهمة مفتوحة الأجل وغير فعالة بأخرى”.

غير أن لبنان يرى أن بعض وظائف اليونيفيل ستظل ضرورية خلال المرحلة الانتقالية. وقال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام هذا الأسبوع إن بيروت تريد من قوة دولية محايدة أن تحتفظ بثلاثة أدوار في الجنوب، هي: “المراقبة ورفع التقارير، والتنسيق، والاتصال”.

وهذا يترك الطرفين أمام رؤيتين مختلفتين بشأن حجم المشاركة الدولية التي لا تزال مطلوبة. وفي جميع الأحوال، تراهن واشنطن على أن الاتفاق الذي توسطت فيه قادر على نزع سلاح حزب الله، وقيادة إسرائيل إلى الانسحاب من دون الحاجة إلى أي قوة خارجية.

وقال مسؤول وزارة الخارجية: “سيؤدي التنفيذ الناجح أيضاً إلى إرساء الأساس لعلاقات مستقرة وسلمية بين إسرائيل ولبنان. والغاية من ذلك هي جعل ترتيبات حفظ السلام المفتوحة الأجل غير ضرورية”.

المصدر الأصلي