ليست الزيارة الإماراتية إلى بيروت مجرد حراك اقتصادي عابر، ولا مجرد توقيع مذكرات تفاهم... ما جرى يحمل دلالة أوسع: الإمارات تعود إلى لبنان بثقة المستثمر، وبمشروع شراكة. وفي ذلك رسالة بالغة الأهمية: لبنان لم يُشطب من حسابات الخليج، لكن عودته إلى دائرة الاهتمام مشروطة بعودته أولا إلى منطق الدولة والاستقرار والإصلاح.
فقد شكّلت زيارة الوفد الإماراتي إلى لبنان برئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي، ثاني بن أحمد الزيودي، حدثًا اقتصاديًّا وسياسيًّا في آن. فبعد يوم العمل الأول، والذي أسفر عن توقيع اتفاقيات إطار تمهّد لتنظيم التعاون في المستقبل، استكمل الوفد بالأمس نشاطه بجولة سياسية بدأت بزيارة قصر بعبدا، حيث شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمامه على "عمق العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين". واعتبر
أن زيارة "وفد رجال الأعمال الإماراتيين لبيروت تحمل رسالة أمل وثقة باستقرار لبنان ومستقبله وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار". كما زار الوفد عين التينة، حيث تناول اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري اسبل تعزيز التعاون والشراكة والفرص الاستثمارية في لبنان والعلاقات الثنائية.
وبصرف النظر عن النتائج الفعلية التي قد تتم ترجمتها في المستقبل على مستوى الاستثمارات والدعم، لا يمكن تقييم أهمية زيارة الوفد الإماراتي سوى من خلال وضعها في إطارها الصحيح من حيث الشكل والمضمون والتوقيت.
من حيث الشكل، أظهر عدد المستثمرين ورجال الأعمال المشاركين في الوفد، والذي وصل إلى 80 شخصية، جدية وحماسة الجانب الإماراتي في إضفاء صفة الاهتمام الشديد بتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي مع لبنان.
من حيث المضمون، تبيّن أن ما يطرحه الجانب الإماراتي هو بمثابة استثمار في المستقبل. وجرى التركيز بصورة واضحة على ملف المرافئ البحرية. وترغب الإمارات في أن يكون لها موطئ قدم على الشاطئ اللبناني، في إطار سياستها لإيجاد ممرات بحرية تربط الخليج بمنطقة الشرق الأوسط وصولًا إلى تركيا وأوروبا.
ومن حيث التوقيت، يأتي التحرّك الإماراتي بالتزامن مع التغييرات التي قد يشهدها لبنان في المرحلة المقبلة، من خلال مسار المفاوضات مع إسرائيل برعاية واشنطن. وبالتالي، تراهن الإمارات على أن مسار السلام سينتصر في النتيجة، وستكون هناك فرص استثمارية كثيرة متاحة في هذا المناخ الجديد. ولذلك، تحرص الإمارات على حجز موقع متقدّم لها منذ الآن.
تبقى الإشارة إلى أن الاندفاعة الإماراتية ليست مشروطة بتقدّم مسار السلام فحسب، بل أيضًا بضرورة تنفيذ الالتزامات الحكومية، وعلى رأسها موضوع حصرية السلاح بيد الدولة، وحتمية تنفيذ الإصلاحات البنيوية، بحيث إن عبارة الحوكمة كادت تكون العبارة الأكثر تردادًا في الكلمات التي أُلقيت من قبل المتحدثين الإماراتيين في اللقاءات والمؤتمرات التي عُقدت في بيروت. ومن دون إنجاز حصرية السلاح وتنفيذ الإصلاحات، ستبقى الزيارة مجرد خطوة لن تليها أي خطوات أخرى.
في المقابل، وفي مواقف متتالية خلال اليومين الماضيين، تقدّم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خطوة إضافية في مقاربة جوهر الأزمة اللبنانية، واضعًا إصبعه مباشرة على الجرح. ولعلّ الأبرز في كلام الرئيس كان قوله بوضوح أمس الأول إنّ "لبنان يخوض حربًا ضد البعض الذي يرفض منطق الدولة، فيما نحن نريد الدولة". وهي من المرات القليلة التي تُستخدم فيها من موقع رئاسة الجمهورية بهذه الصراحة عبارة "نخوض حربًا" لوصف الصراع الداخلي بين منطق الدولة ومنطق السلاح الخارج عن سلطتها.
وفي الأمس، ذهب أبعد في توصيفه، مؤكّدًا خلال الاحتفال بالعيد التأسيسي الـ81 للأمن العام أن في لبنان "فئة ترفض سيادة الدولة وتعتاش على غيابها"، وأن هناك "صراعًا داخليًّا بين من هو نقيض الدولة وبيننا نحن".
وفي دردشة سريعة مع الصحافيين، أكد رئيس الجمهورية أن المفاوضات قائمة في أيلول المقبل، بانتظار أن يحدّد الجانب الأميركي موعد الجولة الجديدة في روما.
وفي السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ "نداء الوطن" إن "مشكلة "حزب الله" ومن خلفه إيران تكمن في أن لبنان اتخذ قرارًا بالتفاوض عن نفسه ورفض أن يفاوض عنه أحد"، معتبرًا أن "هذا القرار سيادي بامتياز، لأن البديل عن مسار واشنطن التفاوضي هو تحويل لبنان إلى كبش محرقة للتسويات الإقليمية والدولية".
وأضاف المصدر أن "بإمكان إيران المساعدة، عبر تحويل دورها السلبي في لبنان إلى إيجابي، وذلك من خلال الإيعاز إلى ذراعها، "حزب الله"، بالتجاوب مع قرارات السلطة التنفيذية وحصر السلاح بيد الدولة، والتوقف عن استخدام لبنان ورقة ضغط لتحصيل مكاسب لإيران". وأوضح أن "أول إشارة إيجابية يمكن أن ترسلها إيران، الإيعاز إلى "الحزب" بتسليم مرتفعات علي الطاهر ومنشآتها إلى الجيش اللبناني".
48 ساعة: إما التسوية أو الحرب
وفيما الوضع الميداني في الجنوب يزداد تصعيدًا، خصوصًا بعد إعلان الجيش الإسرائيلي أن "حزب الله أطلق مسيّرتَين مفخخّتَين باتجاه قواته العاملة في منطقة مرتفعات علي الطاهر"، الأمر الذي استدعى ردًّا إسرائيليًّا كبيرًا، علمت "نداء الوطن" بوجود تسوية يتم العمل عليها تحت الطاولة، تتناول تلة علي الطاهر، وتدور بين الأميركيين والإسرائيليين من جهة، وبين الإيرانيين و"حزب الله" من جهة ثانية، وتنص على انسحاب مقاتلي "الحزب" والحرس الثوري الإيراني منها ودخول وحدات الجيش اللبناني إليها. وقد أبلغت واشنطن طهران أن إسرائيل اتخذت قرارها بإسقاط التلة وما في داخلها، ولا تراجع عن هذا الموضوع، لذلك حضرت هذه التسوية في الساعات الأخيرة، ويُنتظر أن تتبلور في خلال الـ48 ساعة المقبلة. وإذا رفض "الحزب" والإيرانيون هذه التسوية، عندها ستصعّد إسرائيل حربها، لأن القرار الإسرائيلي قد اتُّخذ بإسقاطها.
عيسى: "ما بدنا شي زيادة منّو"
وأمس، واصل السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى جولته على المرجعيات الروحية، ومن دار طائفة الموحدين الدروز، وبعد لقائه شيخ العقل سامي أبي المنى، أكد أن "اللبنانيين متّفقون على تسليم سلاح "حزب الله"، وكلّ شخص يريده بطريقة معيّنة، ولكن من الضروري أن يسلّم سلاحه للدولة". وقال: "أعتقد أن هناك تواصلا بين رئيس الجمهورية و"الحزب"، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر". وأضاف: "نريده أن يسلّم سلاحه، وما بدنا شي زيادة منّو...". وردًّا على سؤال حول موقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من اتفاق الإطار، قال عيسى: "يوم بدو ويوم ما بدو"، وسنتواصل معه قريبًا.
ليردّ جنبلاط على "إكس": يبدو أن عيسى، وسط انشغالاته الثقافية والسياسية المتعددة، لم يتمكن من قراءة ملاحظاتي على الوثيقة المسمّاة بـ"الإطار الثلاثي" التي أرفضها، والتي ينبغي استبدالها باتفاقية الهدنة التي نصّ عليها اتفاق الطائف والقرار 1701.












