فتحت حملة “صولة الفجر” التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لمكافحة الفساد واعتقال المتهمين بسرقة المال العام في يونيو الماضي، بابا يتجاوز ملاحقة المتهمين داخل العراق إلى ملف آخر أكثر تعقيدا، يتعلق بتعقب الأموال التي خرجت منه.

فعلى مدى أكثر من عقدين خرجت من العراق مليارات الدولارات، ارتبط جزء منها بحقبة نظام صدام حسين وجزء آخر بقضايا فساد أعقبت سقوط نظامه في 2003.

وفي عام 2021، قدر الرئيس العراقي السابق برهم صالح حجم الأموال المهربة إلى الخارج منذ 2003 بنحو 150 مليار دولار. وكان لبنان، لأسباب عدة، بين أبرز الوجهات التي استقطبت جانبا من تلك الأموال.

ويشدد عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، جمال كوجر، على أنها المرة الأولى التي تتعامل فيها السلطات العراقية بجدية مع هذا الملف.

ويقول في تصريحات لـ”الحرة” إن هناك لجنة شكلت في مجلس الوزراء للتواصل مع الدول التي يعتقد بوجود أموال مهربة أو عمليات لتبييض الأموال فيها.

ويضع كوجر لبنان ضمن هذا المسار، مرجحا أن يستقبل زيارات قضائية خلال المرحلة المقبلة، على غرار تحركات رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى تركيا وسوريا والسعودية.

بدأت رحلة الأموال العراقية إلى لبنان قبل سقوط نظام صدام حسين. وخلال سنوات العقوبات الدولية التي أعقبت حرب تحرير الكويت، استخدم النظام شبكات مالية خارج العراق للتعامل مع إيرادات النفط والعمولات والاقتطاعات المرتبطة ببرنامج “النفط مقابل الغذاء”.

وتظهر تحقيقات وزارة الخزانة الأميركية أن جزءاً من عائدات اتفاقات التجارة النفطية نُقل إلى حسابات مصرفية في لبنان، بعضها بأسماء شركات واجهة أو أفراد لإخفاء حركة الأموال.

وعقب سقوط النظام، انطلقت عملية دولية لتعقب أصوله في الخارج، وكان لبنان من الدول التي شملتها عمليات البحث عن الحسابات والأصول العراقية.

وفي يوليو 2005، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن “مبالغ كبيرة” من الأصول العراقية المجمدة موجودة في لبنان وسويسرا، وكشفت أن واشنطن تعمل مع البلدين لتحديد أصول النظام السابق وعزلها وإعادتها إلى العراق.

وفتحت حقبة ما بعد صدام حسين فصلا مختلفا، فمع تدفق مليارات الدولارات وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ظهرت ثغرات واسعة في الرقابة على الإنفاق، بالتوازي مع قضايا فساد شملت عقودا ورشاوى وعمولات وغسيلا للأموال.

ووثقت تحقيقات أميركية قضايا انتقلت فيها أموال عبر حسابات مصرفية في دول عدة خارج العراق.

لماذا لبنان؟

لا ينفصل موقع لبنان بالنسبة للأموال العراقية المهربة عن موقعه المالي في المنطقة، فمنذ إقرار السرية المصرفية عام 1956، بنى البلد قطاعاً مصرفياً يقوم على حرية حركة رؤوس الأموال والتحويلات والتعامل الواسع بالعملة الأميركية، وتوفرت له بالتالي أصولا مالية كبيرة من دول عربية عدة.

وخلال سنوات العقوبات على العراق لعبت المصارف اللبنانية، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة لموقع “الحرة”، دور “القاعدة اللوجستية” لعمليات الاستيراد العراقية.

ومع تعمق الروابط السياسية والتجارية بين البلدين بعد 2003، برزت اتهامات باستخدام حسابات وواجهات لإخفاء المستفيد الحقيقي من بعض الأموال، خصوصاً مع تشديد العقوبات الأميركية على شخصيات ومؤسسات مرتبطة بإيران.

ويلتقي العاملان المالي والسياسي في قراءة كوجر، الذي يقول إن النظام المصرفي اللبناني ساعد على ذلك، إلى جانب تواجد عراقيين في لبنان، وأرضية مذهبية مساعدة.

ولا توجد أرقام رسمية تحدد حجم الأموال العراقية الموجودة في لبنان، كما تتفاوت التقديرات بشأنها في ظل صعوبة تتبع حركة الأموال وتشابك القنوات التي عبرت من خلالها.

ومع ذلك، يقدر كوجر أن الأموال التي دخلت لبنان بعد 2003 قد تبلغ نحو 40 مليار دولار.

لكن عجاقة يرى أن ذلك الرقم قد يكون ممكناً إذا كان يشمل إجمالي الأموال التي مرّت عبر المصارف اللبنانية، لا تلك التي بقيت مودعة داخلها.

ويلفت إلى أن حجم القطاع المصرفي اللبناني في ذروته بلغ نحو 180 مليار دولار، وبالتالي فإن وجود ما يقرب من 40 مليار دولار كودائع عراقية يعني حوالي ربع حجم القطاع، ومن الصعب أن يبقى رقم بهذا الحجم مخفياً.

لكن البحث في الودائع وحدها لا يكشف الصورة بكاملها، إذ أن هناك أموال وعقارات واستثمارات ومصانع وفنادق، إضافة إلى التجارة والبضائع، فضلا عن الحوالات التجارية.

كما أن وجود أموال عراقية في المصارف اللبنانية لا يعني حتما أنها أموال دولة أو ناتجة عن فساد.

ويقدم إقليم كردستان مثالاً مهم بهذا الشأن. فوفق تقرير أعدته شركة “ديلويت” لحكومة الإقليم، بقي نحو 294 مليون دولار و310 ملايين يورو من إيرادات نفطه في حسابات في لبنان حتى نهاية الربع الأول من عام 2023، بسبب القيود على تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج.

ويقدر عجاقة أن الأموال الحكومية أو التابعة لجهات ومؤسسات رسمية عراقية لم تتجاوز نحو 15 في المئة من إجمالي الودائع العراقية، مقابل نحو 85 في المئة للقطاع الخاص، بما يشمل رجال أعمال وشركات وأفرادا.

وتزداد عملية الفرز تعقيداً لأن البيانات المصرفية اللبنانية تصنّف المودعين بين مقيمين وغير مقيمين، والودائع بحسب العملة، لا بحسب جنسية أصحابها. ويضاف إلى ذلك استخدام وكلاء وشركات واجهات.

المصدر الأصلي