صدى الارز

مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

يوم همس شيراك في أذن بوش

بقلم : أمجد اسكندر - هنري غورو جنرال فرنسي أكتع (مقطوع اليد اليمنى) أعلن قيام دولة "لبنان الكبير" عام 1920 على درج "قصر الصنوبر"، الاسم الذي تعرف به السفارة الفرنسية، حيث وقف أعيان لبنان يتقدمهم البطريرك الماروني إلياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، وعاهدوا الرب وأنفسهم بذل كل غال ورخيص لحماية الدولة الوليدة.

لكن منذ إعلان الجنرال الأكتع ولبنان أعرج يمشي متثاقل الخطى نحو الدولة المستحيلة. ولأن “قصر الصنوبر” شيد أصلاً ليكون “كازينو”، فإن لعبة المقامرة بالمصير لا تزال مستمرة منذ 103 سنوات. ولم يكد ينتهي الفريد سرسق الثري البيروتي من أعمال البناء عام 1915 حتى تبخر “حلم الكازينو”، وارتأى العثمانيون تحويل هذا الصرح الكبير إلى مستشفى في الحرب العالمية الأولى، وعاد المستشفى وأصبح نادياً عسكرياً سكنه ممثل السلطنة العثمانية في بيروت.

بعد انهيار السلطنة اشترى الفرنسيون “الكازينو/ المستشفى/ النادي/ القصر” واعتمدوه سفارة. شبح الكازينو بقي يحوم فوق هذا المبنى التاريخي، وحتى الأمس القريب لم تبتعد رائحة “المقامرة” عن السفارة. فعلى بعد أمتار يوجد ميدان سباق الخيل، حيث اعتاد اللبنانيون الاقتراب إلى مسافة صفر تقريباً من المضمار وهم يصرخون ليتجاوز الحصان الذي راهنوا عليه بقية الأحصنة.

والمراهنات لم تكن تحصل في حرم الميدان فقط. فمكاتب المراهنات السرية كانت تملأ بيروت، مدينة العملاء السريين لأجهزة الاستخبارات العالمية. على مدخل ميدان سباق الخيل مكتوب “الخيل معقود في نواصيها الخير”. في السياسة لم تكن فرنسا دائماً الحصان الرابح الذي راهن عليه اللبنانيون. الأصابع البريطانية حبكت وصول أول رئيسين بعد الاستقلال عن فرنسا “الأم الحنون”. بشارة الخوري وكميل شمعون. لا يوجد في لبنان خط فرنسي ثابت. الرئيس جاك شيراك الذي قال يوماً إن وجود الجيش السوري في لبنان موقت وشرعي وضروري، عاد واستحلف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن التحرك دولياً وفي الأمم المتحدة لإصدار قرارات تنهي الهيمنة السورية.

وما حصل بين الرئيسين في غاية الغرابة. عام 2004 وفي الذكرى الـ66 على الإنزال الكبير للحلفاء على شواطئ النورماندي، أخذ شيراك بوش جانباً، ومن خارج جدول أعمال الرئيسين، همس الفرنسي في أذن ضيفه الأميركي بما معناه “في الشرق الأوسط ديمقراطيتان، واحدة قوية في إسرائيل والثانية متعثرة في لبنان. يجب أن يرحل الجيش السوري لأنه يقوض الديمقراطية اللبنانية”. ويبدو أن بوش كان على عجلة، فنادى بصوت عال “هاتوا كوندي”. حضرت بسرعة كوندليزا رايس، فقال بوش باختصار شديد “اعملي اللازم”. بعد أقل من سنة صدر عن مجلس الأمن القرار 1559 الذي ينص على ضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية من لبنان. قرار قتل لاحقاً أبرز الزعماء السنة في البلاد رفيق الحريري، الصديق الصدوق لشيراك.

تناقض آخر طبع السياسة الفرنسية مع حصول الشغور الرئاسي في لبنان العام الماضي. الرئيس إيمانويل ماكرون سعى بقوة إلى وصول مرشح “حزب الله” سليمان فرنجية إلى منصب رئيس الجمهورية. رجل أعمال لبناني اسمه جيلبير شاغوري وعده بعودة “توتال إينرجيز” إلى نيجيريا، ومن الأثمان فرنجية. قبل هذه الصفقة التي ولدت ميتة حظي ماكرون بعطف كل اللبنانيين، إذ حضر إلى لبنان غداة انفجار مرفأ بيروت عام 2020. وجد اللبنانيون أن ماكرون شعر بمأساتهم أكثر من رئيسهم ميشال عون. تجول ماكرون في الأحياء المدمرة، في حين حاذر ميشال عون من هذه المغامرة خوفاً من نقمة اللبنانيين عليه.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

لا يزال بعض الحنان يحرك “الأم الحنون” التي أعلنت من درج سفارتها ولادة الدولة اللبنانية، وهذا الحنان لا يلغي “البيزنس”. فبعد سنتين حان وقت القطاف. الشركة الفرنسية العملاقة (سي أم أي سي جي أم) حازت عقداً لإدارة وتشغيل وصيانة محطة الحاويات في مرفأ بيروت المدمر لمدة 10 سنوات. أسس هذه الشركة في مارسيليا اللبناني جاك سعادة. بدأ بأربعة موظفين وسفينة، واليوم يدير خلفه رودولف سعادة إمبراطورية بحرية لا تغيب عنها الشمس.

في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى” تنشط الدبلوماسية الفرنسية حالياً لمنع الوعيد الإسرائيلي بتدمير بيروت إذا استمر “حزب الله” بتهديد أمن شمال إسرائيل. في زيارتها الأخيرة رفعت وزيرة الخارجية كاترين كولونا مستوى التحذيرات للساسة اللبنانيين، ولا يبدو أنها لمست حساً عالياً بالمسؤولية. زعيم كولونا الروحي شارل ديغول تساءل مرة كيف يمكنه أن يحكم فرنسا وفيها أكثر من 250 نوعاً من الجبن. في بلاد الأرز العقبات أكثر استعصاء، إذ الوصف العام للسياسيين الانتهازيين هو “أكلة الجبن”.

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *