صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

من ملفات الحرب اللبنانية .. قصة باخرة الأكوامارينا (1) – بقلم نبيل يوسف

بقلم : نبيل يوسف - كاتب و باحث | قبل ظهر الخميس 6 تشرين الثاني 1975 أدلى رئيس الحكومة رشيد كرامي بتصريح أعلن فيه أنه تبلّغ أن باخرة ترسو قبالة مجمّع الأكوامارينا في المعاملتين الذي يملكه الشيخ بطرس الخوري تحمل شحنة أسلحة إلى الأحزاب المسيحية، وأنه أوعز إلى قائد الجيش لاصدار أمر بوضع اليد عليها ومصادرة حمولتها.

ما أن بدأت وسائل الاعلام نشر تصريح رئيس الحكومة حتى قامت القيامة من القيادات الاسلامية واليسارية تطالب بحجز الباخرة وتقديم المسؤولين عنها إلى المحاكمة.
فما هي قصة تلك الباخرة؟.

على أثر الضغوط العربية التي تعرض لها رئيس الجمهورية سليمان فرنجية لوقف القتال ضد الفلسطينيين الذي اندلع في 2 أيار 1973 والتي حالت دون تمكن الجيش اللبناني من السيطرة على المخيمات الفلسطينية، استسلم رئيس البلاد لقدر جديد، هو ضرورة إيجاد جيش آخر غير الجيش اللبناني قادر على حماية الشرعية والأهالي الآمنيين.

أواخر حزيران من ذلك العام استدعى رئيس الجمهورية إلى قصر بعبدا الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل وعقدوا اجتماعاً مطولاً استعرضوا خلاله التقارير التي وصلتهم عن حجم الفوضى التي تعم البلاد من جراء تجاوزات الفدائيين الفلسطينيين الذين أحكموا سيطرتهم العسكرية شبه الكاملة على معظم قرى وبلدات الجنوب والبقاع، إضافة إلى أحياء واسعة من بيروت لا سيما معظم مداخل العاصمة. وعن وضع القرى والبلدات المسيحية في أطراف الوطن والأخطار التي قد تتعرض لها من قبل المسلحين الفلسطينيين.

في نهاية الاجتماع خلص المجتمعون إلى النتيجة التالية: لا حل سياسياً متاحاً مع المقاومة الفلسطينية، ولا أمل في الاتكال على سوريا للجم المنظمات الفلسطينية بعدما اتخذت دمشق موقع الانحياز لصالح الفلسطينيين، وكذلك هي الحال مع الدول العربية، ولا يمكن الاتكال على الجيش اللبناني بعد اليوم، فالوضع أصبح سيئاً جداً ولا مفرّ من التسلح وتدريب الشباب المسيحي للدفاع عن أرضهم.

بعد أيام عقد اجتماع آخر شارك فيه الرئيس فرنجية وزعيما حزبي الكتائب والاحرار، واستدعي اليه قائد الجيش العماد اسكندر غانم ومدعي عام التمييز القاضي ميشال طعمة ومدير عام الأمن العام العقيد انطوان الدحداح ورئيس الشعبة الثانية في الجيش اللبناني العقيد جول البستاني ورئيس قسم الأمن القومي في الشعبة الثانية الرائد نبيه الهبر.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

في بداية الاجتماع أبلغ رئيس الجمهورية المشاركين بقرار التسلح والتدريب الذي اتخذه مع الزعيمان المسيحيان، طالباً مناقشة السبل الأسلم لانجاح هذا القرار.

في خلاصة النقاش الذي استمر لساعات تقرر أن تقوم الشعبة الثانية في الجيش اللبناني بتسليم مسؤولي الكتائب والاحرار الأسلحة التي يحتاجون اليها، إضافة إلى إرسال بعض الضباط المسيحيين إلى معسكرات التدريب التي كان بدأ الحزبان وبعض الجماعات المسيحية الأخرى إقامتها في جرود المناطق المسيحية، لمساعدة الضباط والرتباء المتقاعدين الذين كانوا باشروا التدريب فيها

بعد انتهاء الاجتماع تسرّعت وتيرة التدريب والتسلّح، وشهد صيف العام 1973 انشاء أكثر من 15 مخيماً للتدريب، من بينها 10 مخيمات للقوى النظامية الكتائبية، و3 مخيمات لنمور حزب الوطنيين الأحرار، ومخيم للتنظيم اللبناني الذي أشرف عليه مباشرة بعض ضباط الشعبة الثانية، ومخيم لجيش التحرير الزغرتاوي الذي كان يقوده النائب طوني سليمان فرنجية.

هذا النشاط التدريبي الذي شارك فيه المئات من الشبان المسيحيين، لم يبق طي الكتمان، فبدأت بعض الصحف تتحدث عنه، فقامت ضجة حمل لوائها الزعيم الاشتراكي كمال جنبلاط وبعض القوى اليسارية والاسلامية متهمين حزبي الكتائب والاحرار بمحاولة تخريب البلد، فما كان من الشيخ بيار الجميل إلا أن اعترف في 10 أيلول 1973 بوجود مخيمات لتدريب الشباب للدفاع عن أرضهم وعرضهم، معلناً استعداد حزب الكتائب لالغاء جميع مخيمات التدريب خلال مهلة 24 ساعة ومنع أي كتائبي من الظهور بلباس عسكري شرط ألا يبقى في لبنان 14 مخيماً معسكراً فلسطينياً خارجين عن سلطة الدولة وقوانين البلاد، فإذا استطاعت الدولة اللبنانية أن تستعيد سلطتها على المخيمات الفلسطينية التي أصبحت معسكرات وأن يعود الفلسطيني خاضعاً للقانون اللبناني مثله مثل أي مواطن لبناني، “فوقتها سنلغي مخيمات التدريب، وليس من الجائز أن يطبق على اللبناني ما لا يطبق على الفلسطيني”.

رافق النشاط التدريبي المكثف، نشاط تسليحي اقتصر صيف 1973 على بنادق خفيفة وبعض الاسلحة المتوسطة القديمة بمعظمها، ولم تكن تلك الأسلحة تفي الغرض من التدريب، خاصة في ظل الكمّ الهائل من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة التي تمتلكها المنظمات الفلسطينية، فتكثفت الاتصالات لمحاولة الحصول على السلاح المطلوب.

مطلع عام 1974 ومن خلال مفاوضات كان أجراها رئيس الشعبة الثانية في الجيش اللبناني العقيد جول البستاني مع الملحق العسكري في السفارة الاميركية في بيروت الكولونيل فورست هانت، وصلت أولى شحنات الأسلحة إلى مطار بيروت بطريقة سرية على متن 5 طائرات نقل من طراز 130 c”” وشملت عشرة آلاف قطعة سلاح خفيف من طراز كرابين وستين وسلافيا، إضافة إلى عشرات المدافع والهواوين من العيارات الصغيرة.

فور وصول تلك الشحنات استلمها بعض ضباط الشعبة الثانية الأمينين ونقلوها بطريقة سرية إلى بعض الأديرة في جبل لبنان التي كانت الرهبنة المارونية وضعتها في تصرف الأحزاب المسيحية، كان أبرزها دير مار روكز مراح المير الواقع على طريق بكفيا – القليعات ودير مار موسى الدوار ودير مار أنطونيوس الجديدة، وأديرة أخرى في كسروان وجبيل والبترون خاصة دير غوسطا ودير سيدة طاميش ودير حوب.

من تلك الأديرة بوشر توزيع السلاح على الأحزاب المسيحية فاستلم حزب الكتائب الكمية الأكبر، كما تسلم نمور الأحرار كمية مهمة، ووزعت كميات أخرى على التنظيم وجيش التحرير الزغرتاوي وبعض القيادات المحلية، وأرسلت كميات أخرى إلى بعض القرى المسيحية التي كانت مهدّدة من قبل المنظمات الفلسطينية مثل زحلة ودير الأحمر والقبيات والقاع وراس بعلبك وجزين والدامور والجية ورميش، ولم يقتصر التوزيع على القوى المسيحية بل شمل بعض القيادات الاسلامية المتعاونة مع الشرعية كالامير مجيد ارسلان والنائب الدرزي بشير الأعور في المتن الأعلى، والنائب الشيعي السابق محسن سليم المقيم في الضاحية الجنوبية لبيروت والنائب سليمان العلي في عكار والنائب كاظم الخليل في صور، وبعض الزعماء السنة المحليين في بيروت الغربية المناهضين للمنظمات الفلسطينية، وبعض أنصار الرئيس كميل شمعون من الطائفة الاسلامية السنية كآل سكرية في الفاكهة في البقاع الشمالي، وآل الضاني في طرابلس، وآل الحجار في اقليم الخروب.

في آذار من ذلك العام، وعن طريق تاجر أسلحة لبناني يدعى سركيس سوغونوليان، كانت لديه علاقات مع المخابرات المركزية الأميركية سافر إلى بلغاريا أربعة مسؤولين عسكريين يمثلون حزبا الكتائب والأحرار بهدف المفاوضة على شحنة أسلحة جديدة، وبعد مفاوضات مع شركات السلاح البلغارية تقرر شراء 7 آلاف رشاش كلاشينكوف وسلافيا، وقاذفات أر بي جي ومدافع هاون من عيار 82 ميلليمتراً مع ذخائرها والعتاد الملحق بها.

بعد انتهاء المفاوضات، فتح ثريان مسيحيان هما الشيخ بطرس الخوري وناصيف جبور الاعتماد المالي لصالح سركيس سوغونوليان، الذي تكفّل بايصال الشحنة إلى بيروت.
من ثم باشر سوغونوليان اجراءات الشحن، ومن خلال مساعدة الكولونيل الاميركي فورست هانت تمكنت الباخرة التي تحمل السلاح من عبور مضيق الدردنيل التركي، وفي شهر حزيران رست في مرفأ بيروت، وأفرغت بطريقة سرية وبحماية بعض رجال الشعبة الثانية بعض حمولتها، وبسبب تعذر استمرار رسوها في مرفأ بيروت طويلاً واثارة الشكوك من حولها، انطلقت بعد أن خف حملها إلى مرفأ جونيه الأضمن، وأفرغت ما تبقى فيها.

وكما تم تفريغ السلاح من الباخرة بطريقة سرية، تكفّلت شاحنات مموهة بنقله ليلاً إلى أديرة الرهبنة المارونية، وكان على بعض المقاتلين المسيحيين حمل أعداد من صناديق الأسلحة والذخائر على ظهورهم وتوضيبها في الأقبية والمستودعات.

بعد وصول الشحنة باشر حزبا الكتائب والأحرار بيع البنادق إلى المقاتلين، وبلغ سعر رشاش الكلاشينكوف مع ألف طلقة 675 ليرة لبنانية، وبندقية سلافيا مع ألف طلقة 650 ليرة، سدد الحزبيون الثمن تقسيطاً.

إضافة إلى سباق التسلح الذي حفل به العام 1974 شهد صيف ذلك العام سجال عنيف كان محوره الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل من جهة والزعيم الاشتراكي كمال جنبلاط من جهة أخرى، وتمحور حول الاتهامات المتبادلة بالتسلّح وإقامة مخيمات التدريب.

لم يقتصر هذا السجال على القادة السياسيين، بل شمل أيضاً الصحف اللبنانية، التي شهدت هجومات واتهامات متبادلة، كان أبرزها الهجوم الذي شنته صحيفة السفير اليسارية في 9 آب 1974 على حزبي الكتائب والأحرار والرهبنة المارونية متهمة إياهم بتسليح الشبان المسيحيين وتدريبهم لخراب البلد.

في اليوم التالي ردّت صحيفة العمل الكتائبية في افتتاحيتها “من حصاد الأيام” على كل الكلام الذي يقال حول التسلح، ودافعت عن وجود السلاح بأيدي الكتائب والأحرار الذي هو ظاهرة جديدة مردها إلى الخوف من تهديدات كثيرة، وبنوع خاص، من عجز الدولة وغيابها.

أما الشيخ بيار الجميل فرد على ما نشر في بعض الصحف حول وصول كميات من الأسلحة لحزبي الكتائب والأحرار، مؤكداً على مبدأ أن يكون السلاح في يد الشرعية وحدها، وأضاف أنه يقول “برافو” للذي يدخل سلاحاً إلى لبنان بعد أن تكاثر السلاح الآتي من الخارج في يد طرف واحد. فيما هاجم الرئيس شمعون بعنف اليسار اللبناني وزعيمه كمال جنبلاط متهماً إياه بتحويل بلدته المختارة إلى مستودع كبير للسلاح.

يتبع …

إقرأ المقال من مصدره

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *