صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

من ملفات الحرب اللبنانية .. قصة باخرة الأكوامارينا (5) – بقلم نبيل يوسف

بقلم : نبيل يوسف - لم يقتنع الرئيس رشيد كرامي بتقرير الأميرال فارس لحود وإفادة الجنود أمام المحكمة العسكرية، واتهم قائد وضباط قاعدة جونيه البحرية بالانحياز، وقرر أن يوفد العقيد ديب كمال ومعه بعض الضباط لتفتيش الباخرة.

يقول ضابط سابق في الجيش اللبناني، أن حظ العقيد ديب كمال ورفاقه كان يومها سيئاً جداً، فمن لحظة وصولهم إلى جونيه لاقىوا جواً معادياً، فعلى مدخل القاعدة مجموعات مسلّحة تنظر إليهم بغضب وقلق، وداخل القاعدة الجو غير طبيعي، فالضباط والجنود المسيحيون متوترون ينتظرون بقلق ما ستسفر عنه عملية التفتيش، حتى بعد صعودهم إلى الخافرة التي ستنقلهم إلى الباخرة لم يشعر العقيد كمال ومن معه بالارتياح، فقد قاد الخافرة رتيب مسيحي وكانت قيادته لها سيئة جداً وقد يكون عن قصد، فوصل الجميع إلى مقصدهم وهم يشعرون بالدوار.

بعد توقف الخافرة إلى جانب باخرة الأسلحة بدأ العقيد ديب كمال صعود السلم لتفتيشها، وكان يشعر بدوار شديد وكاد أن يتقيأ.

هنا بدأ الشباب بضرب الماعز التي راحت تصيح بصوت عالٍ ووصل صوتها إلى من يقف في الخافرة البحرية، فلم يكمل صعوده وعاد إلى الخافرة وهو يقول: باخرة مواشي باخرة مواشي

يشير الضابط السابق إلى أن العقيد ديب كمال لم يكن يستطيع أن يقول غير هذا الكلام فالجو ضاغط جداً: هو عند شاطئ كسروان عاصمة المسيحيين في لبنان والشرق، وقبالته سيدة حريصا ورهبتها، ومعظم رفاقه في الرحلة لا ينتظرون سوى أن يقول هذا الكلام، وعلى مرمى نظره عند الساحل ينتشر مئات الشبان المسلحين الذين لا يريدون أن يسمعوا سوى أن على الباخرة مواشي. قد يكون في قناعته أن في الباخرة شحنة أسلحة، لكنه لا يستطيع إلا أن يقول شحنة مواشي.

عادت البعثة العسكرية إلى الشاطئ وغادرت لتبلغ الرئيس كرامي نتيجة التفتيش، واستمر العمل بتفريغ الباخرة، وأعيدت رؤوس الماعز إلى الشاطئ واستلمها صاحبها وعاد بها إلى جرود كسروان.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

يبدو أن الرئيس كرامي لم يقتنع أيضاً بالتقارير الجديدة التي وصلته، فعقد مساءً في السراي الحكومي مؤتمراً صحافياً شرح فيه ما أسماه قصة باخرة السلاح منذ علم بالأمر وحتى الساعة، ومما قاله أنه طلب من قائد الجيش تفتيش الباخرة فأفاده أنها تحمل مواشي وطحين، لكنه عاد وأرسل بعض الأشخاص الذين يثق بهم لتفتيش السفينة الذين أكدوا له أن الباخرة تحمل شحنة من الأسلحة، وأن هناك مظاهر مريبة ومسلحين بكثافة.

أضاف أنه طلب من قائد الجيش إرسال قوة عسكرية لمصادرة الباخرة، فتلكأ العماد سعيد عن تنفيذ الأوامر، ثم أرسل (قائد الجيش) قوة وعادت دون أن تتمكن من اتمام مهمتها، وتذرع قائد الجيش أن اطلاق نار ومسلحين وحواجز واجهت قوة الجيش ومنعتها من اكمال مهمتها. وحتى اللحظة ما يزال العمل على تفريغ السلاح جارياً وقبالة الباخرة خافرة لسلاح البحرية لا تتدخل. وأنه طلب من النيابة العامة العسكرية إرسال قاضي التحقيق إلى هناك وأيضاً طلب من مدير عام الجمارك إرسال قوة لتسير الأمور كلها في مجراها القانوني، لكن كل هذه الطلبات لم تنفذ.

تابع أن كل أوامره لم تنفذ وكأن هناك قوة أكبر من الشرعية تسيّر الوضع، ما يفرض عليه كرئيس للحكومة وكوزير للدفاع أن يتخذ الموقف الذي يمليه عليه ضميره، فلن يقبل أن يستمر الوضع على ما هو عليه، خاصة رفض تنفيذ الأوامر التي تصدر باسم المصلحة العامة ولخير الشعب، خاصة من قبل الجيش اللبناني. وختم أن ما جرى يؤكد صوابية موقفه المتحفظ لناحية انزال الجيش، لأنه يعتبر أن نزول الجيش إلى الشارع لضبط الوضع الأمني سيترتب عليه مخاطر لم يشأ أن يدخل التجربة بسببها.

بعد انتهاء المؤتمر الصحافي، وصل إلى السراي الحكومي ياسر عرفات يرافقه أبو أياد وأبو حسن سلامة مسؤول أمن منظمة التحرير الفلسطينية واجتمعوا بالرئيس كرامي ثم غادروا جميعاً إلى عرمون، حيث عقد اجتماع شارك فيه المفتي خالد وعدد من القيادات الاسلامية.

في عرمون أدلى المفتي خالد بتصريح أيد فيه موقف الرئيس رشيد كرامي رافضاً عدم تنفيذ الأوامر من قبل قيادة الجيش ومصراً على مصادرة الباخرة وحمولتها، وأعلن أن المجتمعين رفضوا استقالة رئيس الحكومة الذي ما يزال مصراً عليها.

وكانت صحيفة النهار نشرت تحقيقاً عن باخرة الأكوامارينا، أشارت فيه إلى أن مراسلها شاهد حاجزان مسلحان: الأول أسفل كازينو لبنان على طريق جونيه القديمة قرب مقهى “الكاليبسو” المتهدم، والثاني على مفترق طبرجا بيتش لجهة الطريق الداخلية، ولاحظ أن مهمة العناصر المسلحة كانت مراقبة السيارات العابرة وتوقيف الغرباء والاستفسار عن وجهتهم.

ليلاً، أصدر حزب الكتائب اللبنانية أول بيان مفصّل رد فيه على كل ما قيل حول باخرة الأكوامارينا وجاء فيه:

إن حزب الكتائب اللبنانية بعد الاطلاع على تصاريح رئيس الحكومة وبعض القيادات الروحية والسياسية حول موضوع السلاح الذي يصل إلى لبنان يعلن ما يأتي:

1- إن وقف تدفق السلاح على لبنان من أي مصدر كان ولأي جهة كانت غير الدولة اللبنانية، هو مطلب مزمن ما برح حزب الكتائب يلح على المسؤولين لتحقيقه منذ سنوات.

2- إن الدافع الأساسي لاضطرار الفئات اللبنانية إلى التسلح هو وجود السلاح بكثرة مقلقة لدى جهات ليس للدولة اللبنانية عليها أي سلطة فعلية وشعور هذه الفئات اللبنانية بأنها مكشوفة وبلا أي حماية من الدولة.

3- من حق كل لبناني اليوم أن يسأل الحكومة وغير الحكومة عن مصدر السلاح الثقيل والخفيف الموجود بكثرة في العاصمة والضواحي وسائر المناطق وعن قواعد الصواريخ ومرابض المدافع التي صبت آلاف القذائف على الأحياء السكنية طوال ستة أشهر.

4- كما يُسأل عن موقف الحكومة وغير الحكومة عن كميات السلاح التي أنزلتها الزوارق فجر أمس في محلة الكرنتينا (يومها كانت المنظمات الفلسطينية واليسارية ما تزال تسيطر على محلتي المسلخ والكرنتينا ومدخل العاصمة الشمالي، وتم تحرير المنطقة مطلع عام 1976) وهي جزء من عمليات الانزال الليلية التي تتم على طول الشاطئ وفي بعض المطارات لتغذية الاعتداءات والهجوم من مراكز معينة وليس في سبيل غايات دفاعية ولا أمنية.

5- إن الكتائب التي تقدّر ما يبذله الرئيس كرامي من جهود في سبيل توفير الأمن والعودة بالبلاد إلى حالتها الطبيعية وتتعاون معه باخلاص من أجل هذه الغاية، تتمنى عليه أن يعمل على بسط وجود الدولة على كل المناطق اللبنانية، خصوصاً طرابلس وعكار وصيدا والجنوب وراشيا والبقاع وقسم كبير من العاصمة بيروت. وأن يفرض الرقابة المشددة على كل نقاط الحدود لأننا نعلم جميعاً أن وجود الدولة الفعلي تقلص حتى انحصر في جزء من العاصمة وجبل لبنان وبعض الأقضية ذات الغالبية المعينة.

6- إن مكافحة التسلح ووضع حد له يتمان بخطة شاملة تطبق على الجميع من دون استثناء، فيشعر المواطن بالمساواة التي تعزز ثقته بالدولة وركونه إلى الحماية التي توفرها له. وبكلام أوضح أن رفض استمرار عملية التسلح يجب أن يشمل كل المرافئ اللبنانية على طول الشاطئ الممتد من الناقورة إلى النهر الكبير، وكل المطارات العامة والخاصة، وكل مناطق الحدود الرسمية وغيرها.

7- إن الكتائب دعت وتدعو بالحاح شديد إلى أن لا يبقى الجيش عاجزاً عن القيام بما يفرضه عليه الواجب أياً كانت الأسباب وتجاه أي كان لأن الواجب لا يتجزأ.

8- ونحن على يقين أن كثيراً من المضاعفات والنكبات ما كانت لتحصل لولا الخطة التي اعتمدت لشل الجيش ومنعه معنوياً ومادياً من القيام بواجبه في الدفاع عن الوطن وحماية الشعب وانقاذ الأرواح والمؤسسات والممتلكات.

9- ونلفت إلى أن الاستمرار في التشكيك في الجيش والاستعداء عليه والتهجم على عناصره وحصر استعماله في حالات جانبية ولأغراض فئوية سيؤدي إلى مزيد من الاساءة إليه وإلى الوطن.

10- كنا نصارح من يعنيهم الأمر بأن اللبناني يجتاز اليوم مرحلة من الشك والحذر لا تمكن معالجتها إلا بالثقة المتبادلة وتوطيد الأمن وتأمين سيادة الدولة وضمان الحريات والسلامة العامة والملكية الخاصة بكل تفاصيلها.

11- كما أن التصريحات الاستفزازية والدعوات السافرة إلى التدخل ضد فئات لبنانية واستمرار تدفق المساعدات من أموال ومعدات على فئات أخرى، والتهديدات العلنية الموجهة يومياً من مصادر لبنانية وغير لبنانية ومن تجمعات مرتبطة بالخارج، كل ذلك يضاعف الشكوك ويبعث على القلق ويدعو إلى الحذر ويشكل تحريضاً مباشراً على أخذ الحيطة لمواجهة الخطر بكل الوسائل والتحسب لكل الاحتمالات.

12- إن الكتائب اللبنانية تؤيد الحكومة ورئيسها في كل مبادرة أمنية يتخذانها ولا تفوت أي فرصة للتعاون مع جميع المخلصين من دون استثناء وانقاذ الوطن من محنته والعودة بالبلاد إلى أجواء الصفاء والاخاء.

ميدانياً، استمر طوال الليل تفريغ السلاح دون التوقف لحظة واحدة، فيما مئات المقاتلين عند الشاطئ ينتظرون بقلق أي عملية مداهمة قد تتعرض لها الباخرة.
صباح 8 تشرين الثاني استمر الرئيس كرامي في تصعيده، فغادر بيروت إلى منزله في صوفر معلناً اعتكافه، ما أدى إلى الغاء جلسة مجلس الوزراء الخاصة التي كانت مخصصة لدرس الأزمات الناشئة عن الحوادث الأخيرة.

بعد وصوله إلى صوفر أدلى رئيس الحكومة بتصريح أعلن فيه أن موعد الجلسة سيبقى معلقاً إلى وقت آخر بسبب بعض العقبات السياسية التي يقتضي تذليلها قبل الدخول في أي بحث آخر، ومن أبرز هذه العقبات قضية باخرة السلاح وذيولها.

ظهراً، وصل إلى صوفر الرئيس صائب سلام والعميد ريمون اده وعقدوا اجتماعاً خصص لبحث قضية باخرة الأسلحة، وبعد الاجتماع أدلى العميد ريمون اده بتصريح نصح فيه الرئيس كرامي بالاستقالة، فيما أعلن الرئيس سلام أن التحالف الثلاثي الذي يضمه مع الرئيس كرامي والعميد اده ترك خيار الاستقالة أو الاعتكاف للرئيس كرامي في ضوء ما يستجد من تطورات سلبية كانت أم ايجابية.

حاول بعض الوزراء والنواب من بينهم الوزير غسان تويني والنائبين خاتيشك بابكيان ورينيه معوض الدخول على خط الوساطة، فالتقوا الرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل طارحين أن الهدف الذي تسعى إليه القوى اليسارية هو إحراج رئيس الحكومة لإخراجه وبالتالي إظهاره أنه مثله مثل الآخرين، وأن أوامره لا تنفذ وعندها يترتب عليه الاستقالة، فالهدف إنقاذ الرئيس كرامي من هذه الورطة وإمكان إيجاد تسوية ترضي الطرفين. فيما أكدوا للرئيس كرامي أنه ليس من العدل منع السلاح عن المسيحيين الخائفين على وجودهم فيما المنظمات الفلسطينية التي شرّع لها اتفاق القاهرة التسلح توزعه على الحلفاء واليساريين، وقدّموا لرئيس الحكومة لائحة طويلة بالتعديات التي يقوم بها الفلسطينييون والمقاتلون اليساريون على المسيحيين العزّل.

يتبع

 

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *