صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

من ملفات الحرب اللبنانية .. قصة باخرة الأكوامارينا (2) – بقلم نبيل يوسف

بقلم : نبيل يوسف - من خلال الصفقتان الكبيرتان اللتان وصلتا عام 1974، خاضت الأحزاب والقوى التابعة للجبهة اللبنانية الأشهر الأولى للحرب اللبنانية التي اندلعت في نيسان من العام 1975.

مطلع حزيران 1975 بدأت الذخائر تنضب، وأصبح هناك حاجة لأسلحة جديدة خاصة المتوسطة والثقيلة، وعن طريق بعض تجار الأسلحة بدأت تعقد الصفقات للحصول على السلاح من الدول الشرقية كالمجر وبلغاريا وتشكوسلوفاكيا لرخص ثمنه ووفرته بلا رقيب، ولم تتأخر الرهبنة المارونية والعديد من الأثرياء المسيحيين، الذين سارعوا لتمويل تلك الصفقات.

كما عمد بعض التجار والسماسرة لشراء كميات من الأسلحة من المخيمات الفلسطينية بأسعار باهظة قاموا بتسليمها إلى أحزاب الجبهة اللبنانية.

عبر مرفأي بيروت وجونيه، ومرفأ الأكوامرينا الواقع إلى الشمال من جونيه، بدأت تصل شحنات الأسلحة، وكانت البواخر الكبيرة لا تستطيع الاقتراب من الشاطئ، فكانت تفرغ صناديق الأسلحة والذخائر في مراكب صغيرة تلاقي البواخر ليلاً في عرض البحر وتنقلها إلى الشاطئ.

صيف 1975 توسعت المعارك، وبدأت القرى والبلدات المسيحية الواقعة في الأطراف تتعرض جدياً للاعتداءات الفلسطينية، وكان السلاح المتوافر في تلك القرى بمعظمه سلاح خفيف مع بعض الاستثناءات من الاسلحة المتوسطة، لكن الفلسطينيين بدأوا باستعمال الأسلحة الثقيلة والمدفعية فراحت الدفة تميل إليهم بقوة.

في هذه الأجواء الضاغطة زار قصر بعبدا عدة نواب وزعماء مسيحيين، خاصة أبناء مناطق الأطراف ناقلين إلى رئيس الجمهورية والرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل المخاطر التي تتهدد القرى المسيحية، ومن بين الذين قصدوا قصر بعبدا النواب: حبيب كيروز وجبران طوق وطارق حبشي والنائب السابق قبلان عيسى الخوري الذين نقلوا إلى الرئيس فرنجية مخاوفهم مما قد تتعرض له منطقة دير الأحمر، واستحالة صمود المدافعين عنها في ظل هذا الخلل الفاضح في نوعية السلاح، خاصة وأن طريق عيناتا – الأرز ستنقطع بعد أشهر قليلة بسبب تراكم الثلوج.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

موقف الرئيس فرنجية لخصه أحد المشاركين في تلك الاجتماعات بان قال لهم أن مستقبل لبنان كوطن ودولة يبدو قاتماً، وهناك مؤامرة تحاك ضده والشركاء فيها كثيرون، وهناك مخططات لإذلال المسيحيين وتركيعهم، ولبنان كسلطة ودولة أصبح عاجزاً عن مواجهة ما يعد له من مخططات بأدوات خارجية وداخلية، ولا مجال بعد اليوم للاتكال على الجيش فلا سبيل لنا سوى الاعتماد على أنفسنا وإغناء ترساناتنا بكل سلاح متوفر وكل عتاد ضروري.

على أثر تلك الاجتماعات، وبسبب الوضع العسكري الضاغط تشكّلت لجنة أخذت على عاتقها تأمين السلاح خاصة المتوسط والثقيل منه مهما كان ثمنه، وضمت النائب جبران طوق، وطانيوس سابا رئيس اقليم عاليه الكتائبي ممثلاً حزب الكتائب والشيخ بطرس الخوري ممثلاً الرئيس سليمان فرنجية والسيدان جورج أبو عضل وجو عريضة عن حزب الوطنيين الأحرار وصاحب بنك الاعتماد الشعبي الشيخ جو كيروز شقيق النائب حبيب كيروز، وراهب لبناني إضافة إلى عدة متمولين مسيحيين تكفّلوا بمساعدة أعضاء اللجنة على تغطية ثمن السلاح، ودعمت الرهبنة المارونية هذه اللجنة بقوة.

باشر أعضاء اللجنة اتصالاتهم لتأمين السلاح، لكن واجهتم عدة عقبات أبرزها خمسة:

1- ضغط الوقت، بحيث أن جميع الجبهات أصبحت بحاجة ماسة إلى السلاح وفي أسرع وقت ممكن.

2- عدم امكانية عقد صفقات مهمة مع تجار السلاح الذين كانوا يزودون أحزاب اجبهة اللبنانية بالسلاح الخفيف، بسبب تعذر تأمينهم لسلاح متوسط وثقيل.

3- ثمن الأسلحة موضوع الحاجة الملحة مرتفع جداً.

4- شراء السلاح من الخارج لصالح جماعة وليس دول أمر صعب جداً.

5- امكانية إيصال شحنات الأسلحة الثقيلة إلى الشواطئ اللبنانية محفوف بالمخاطر، خاصة وأن البحر الأبيض المتوسط أصبح مجمّعاً لأساطيل قوى متعادية، ومسرحاً للقرصنة البحرية.

لم ييأس أعضاء اللجنة، فسافر بعضهم إلى اوروبا في محاولة للحصول على أي سلاح متوفر، وبعد مفاوضات شاقة مع عدة مسؤولين حكوميين أوروبيين ورغم شرح أعضاء اللجنة للمخاطر التي يتعرض لها لبنان، واستعدادهم لدفع ثمن السلاح مهما بلغ لم يصلوا إلى نتيجة. فاقترح النائب جبران طوق أن يتوجهوا إلى بعض الدول الأفريقية، حيث المفاوضات مع حكوماتها قد تكون أسهل.

بالفعل غادر النائب جبران طوق إلى دولة غانا التي له فيها علاقات قديمة مع بعض قيادييها بسبب الوجود القديم لعائلته في تلك الدولة.

بعد وصوله إلى غانا باشر اتصالاته مع قيادات تلك البلاد الافريقية، خاصة القيادات العسكرية الذين تفهموا المطالب وأبدوا استعدادهم للمساعدة.

لم تمض أيام قليلة حتى أرسل النائب طوق برقية لرفاقه من أعضاء اللجنة الذين بقوا في أوروبا يعلمهم فيها أنه استطاع الحصول على الموافقة لتأمين السلاح ولم يبق سوى التفاوض على ثمنه وتأمين باخرة لشحنه إلى لبنان، وسرعان ما وصلت البرقية إلى بيروت، ورد قادة الجبهة اللبنانية بوجوب الاسراع قدر المستطاع لأن وضع الجبهات ما عاد يحتمل.

خلال أيام قليلة تم شراء كميات من الأسلحة المتوسطة والثقيلة مع كميات كبيرة من الذخائر فاقت بكثير ما كان يأمل أعضاء اللجنة بشراءه، ورغم دفعهم أموالاً طائلة ثمن الصفقة وما رافقها من اكراميات فقد غمر قادة أحزاب الجبهة اللبنانية وأعضاء اللجنة شعور عارم بالفرح.

بعد تأمين السلاح أصبحت المشكلة تأمين الباخرة التي ستنقله إلى الشواطئ اللبنانية، وهنا بدأ بحث آخر فقد رفضت جميع شركات الشحن البحري شحن السلاح، إلى أن وافق صاحب إحدى بواخر الشحن على نقل الشحنة لقاء مبلغ كبير جداً، وبدأ تحميل الشحنة.

رغم السرية المطلقة التي رافقت شراء السلاح وتوضيبه وتحميله، يبدو أن مخابرات إحدى دول أوروبا الشرقية ويعتقد أنها رومانيا عرفت بأمر الشحنة، وأوصلت الخبر إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي استطاع بعض مسؤوليها الاتصال بصاحب الباخرة مهددينه بالقتل ونسف باخرته بمن فيها.

خاف صاحب الباخرة وعدّل عن رأيه ناقضاً الاتفاق السابق وباشر تفريغ الباخرة مدعياً أن ثمنها بالملايين، وأن على متنها 30 بحاراً حياتهم مهددة بالخطر، ما دفع النائب طوق الذي كان لا يزال في غانا يتابع تحميل الباخرة للتدخل مجدداً عارضاً على صاحب الباخرة والقبطان اكراميات كبيرة ومغرية، متعهداً بدفع ثمن الباخرة إذا تعرضت لأي سوء.

فيما المفاوضات بين النائب طوق المدعوم من ضباط غانيين كبار من جهة وصاحب وقبطان الباخرة من جهة أخرى قائمة، راحت البرقيات التي مصدرها لبنان تصله من أوروبا تستعجل اتمام الصفقة ووصول الأسلحة إلى لبنان، وكانت كل الأخبار الواردة سيئة جداً، فقد اجتاح الفلسطينيون بلدة بيت ملات في عكار، وارتكبوا مذبحة دير عشاش قرب طرابلس، وزغرتا تعرضت لهجوم كبير استطاع المدافعون عنها صده، والبلدات المسيحية في عكار تتعرض لاعتداءات متكررة من المقاتلين الفلسطينيين، والخطر يقترب أكثر فأكثر من بلدات دير الأحمر والقبيات وزحلة والدامور والجيه وجزين والقاع والقليعة ورميش، كما أن وضع الجبهات في العاصمة ليس بأفضل حال.

هذه الأخبار السيئة والالحاح الشديد من بيروت باستعجال وصول الأسلحة، رفعت وتيرة المفاوضات وبعد أخذ ورد طويلين ومفاوضات مضنية وافق صاحب الباخرة على الابحار إلى بيروت لقاء مبلغ اعتبر وقتها خياليا.

في سرعة قياسية تم تحميل الباخرة وانطلقت باتجاه مضيق جبل طارق للدخول إلى البحر الأبيض المتوسط، فيما ركب النائب جبران طوق الطائرة إلى فرنسا، ومنها عاد مع من كان في اوروبا من أعضاء اللجنة إلى بيروت منتظرين اتصالاً من قبطان الباخرة يعلمهم باقترابه من السواحل اللبنانية.

مرّ نحو أسبوع ولم يتصل القبطان، فدبّ القلق في أعضاء اللجنة، ثم وصل خبر إلى البيت المركزي الكتائبي مصدره الشعبة الثانية في الجيش اللبناني يفيد أن جهاز التنصت في الجيش تمكّن من التقاط برقيات بين بعض المنظمات الفلسطينية تتحدث عن باخرة سلاح قادمة إلى الشواطئ اللبنانية وتطلب اغراقها، كما وصلت معلومات أخرى قد يكون مصدرها السفارة الفرنسية في بيروت تفيد أن البحرية الاسرائيلية تراقب الشواطئ اللبنانية مراقبة دقيقة وهناك تخوف من مصادرة الباخرة كي لا تقع في أيدي المنظمات الفلسطينية.

هنا دبّ الرعب في قيادات الجبهة اللبنانية وأعضاء اللجنة، خاصة وأن أموالاً طائلة أنفقت على شراء السلاح وتأمين نقله إلى الشواطئ اللبنانية، ومجرد فقدان هذه الباخرة نهاية الصمود في لبنان، وكانت ساعات صعبة وعصيبة مفتوحة أمام كل الاحتمالات الكارثية: لقد كانت تلك الباخرة أشبه بحمامة في نادي صيد الحمام والصيادون يقظون، أما صاحبها فمغلول اليدين معصوب العينين.

أصبحت الساعات والدقائق تمر بطيئة جداً، ولا اتصال من قبطان الباخرة، إلى أن تلقى النائب جبران طوق فجأة اتصال من القبطان يبلغه فيه أنه خاف من متابعة الطريق إلى بيروت فحوّل وجهة ابحاره إلى اليونان بانتظار أن يتمكن من الاتصال ببيروت، ورسا بالباخرة في أحد المرافئ اليونانية تحت ستار الحاجة إلى المؤونة والوقود وبعض أعمال الصيانة.

ردّ النائب طوق على القبطان طالباً منه البقاء مكانه بانتظار أن يصل أحد اليه، وعلى الفور تم أطلاع الرئيس فرنجية والرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل والآباتي شربل قسيس على الاتصال، وتقرر أن يسافر النائب طوق والسيد جو عريضة وراهب لبناني إلى اليونان يرافقهم بعض المسؤولين العسكريين للاجتماع بالقبطان ودرس الخطوات التالية. وقبل الانطلاق تم وضع خطة تقضي بتغيير ألوان الباخرة وعلمها وخط سيرها للوصول إلى شاطئ جونيه.

يتبع

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *