صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

“مطار حزب الله”.. “حرب نفسية” أم مخططات هجومية؟

بقلم : حسين طليس - سيطر "مطار حزب الله"، أو ما بات يصطلح على تسميته "مطار الجبور"، على اهتمامات اللبنانيين على مدى اليومين الماضيين، بعد أن كشفت إسرائيل عن خرائط وصور جوية تثبت قيام ميليشيا "حزب الله"، ومن خلفها إيران، بإنشاء مطار للاستخدامات العسكرية جنوبي لبنان، يسمح بشن هجمات جوية على إسرائيل.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، كشف عن هذا المطار، خلال كلمة له في المؤتمر السنوي لمعهد “سياسة مكافحة الإرهاب” في جامعة “رايخمان” في هرتسليا، في 11 سبتمبر، مؤكدا أن إيران تبني هذا المطار “لأغراض إرهابية” في منطقة “قلعة جبور”، التي تبعد 20 كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية. 

واستعرض غالانت صورا جوية تظهر رفع العلم الإيراني في المنشأة المرصودة، إلى جانب علم ميليشيا حزب الله، محذرا من أن “نظام آية الله (الإيراني) يخطط للعمل ضد مواطني إسرائيل”، وأضاف قوله إن “الأرض لبنانية، والسيطرة إيرانية، والهدف إسرائيل”. 

هذا التطور أثار ضجة كبيرة في لبنان، لما يمثله من نقلة نوعية في أنشطة “حزب الله” العسكرية من جهة، فضلا عن الخطر الذي يمثله والتداعيات التي قد يحملها هذا التطور على لبنان، لاسيما مع التهديدات الإسرائيلية المرافقة للإعلان. 

وبينما احتفى أنصار “حزب الله” بامتلاك “مطار” على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر قسم كبير من اللبنانيين عن مخاوفهم بشأن سبب إنشاء حزب الله لهذا المطار، وتساءلوا عن تأثيره على أمن البلاد، ووجهة استخدامه المتوقعة بعدما سرت معلومات تتحدث عن إمكانية استعمال المطار في الداخل اللبناني للمراقبة أو لعمليات أمنية وعسكرية.

وطرح المختصون والخبراء استفهامات عدة حول موقع المطار ومساحته وجدواه العسكرية، حتى التشكيك في ما إذا كان مطارا فعليا أم مجرد عملية إيهام وتمويه. 

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

معسكر الجبور

بحسب الصور الجوية التي عرضها وزير الدفاع الإسرائيلي، فإن المطار يقع بمحاذات بحيرة اصطناعية في جنوب لبنان تسمى محليا “بركة جبور”، تقع ضمن قضاء جزين، بين بلدات ميدون وكفرحونة ومزرعة داريا، وهي منطقة جبلية على ارتفاع ما بين 1000 و1200 متر فوق سطح البحر، ضمن جبل الريحان، المحاذي لإقليم التفاح غربا، وحدود البقاع الغربي شرقا. 

ويؤكد العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني، هشام جابر، أنه يعرف تلك المنطقة جيدا، ويؤكد أنها تضم ثكنة عسكرية ومركز تدريب كبيرا لحزب الله، “يجري فيه مناورات وتدريبات كبيرة ومحاكاة لسيناريوهات قتالية وتمثيل لساحات معارك مختلفة التضاريس والطبيعة الجغرافية”.

يوضح جابر في حديثه لموقع “الحرة”، أن بناء هذا المكان من طرف حزب الله يعود إلى ما قبل العام 2006، ويشير إلى أن الموقع تعرض لقصف إسرائيلي خلال “حرب تموز” (يوليو 2006)، ولم يعد موقعا سريا أو مخفيا. 

معلومات تؤكدها لموقع “الحرة” مصادر أهلية من بلدة كفرحونة، تقول إن “سكان البلدة والبلدات المجاورة لها، على علم بأن منطقة بركة جبور، هي منطقة عسكرية مغلقة لحزب الله، وفيها موقع كبير له، يمنع الاقتراب منها أو دخولها، لكن قصة المطار لم نكن نعرفها من قبل”.

وتحمل تلك المنطقة رمزية عسكرية ووجدانية بالنسبة لـ”حزب الله”، كونها كانت ساحة معركة عسكرية كبيرة في فبراير من العام 1999 بينه وبين قوات خاصة من الجيش الإسرائيلي، يعتبر أنه انتصر فيها بإلحاقه خسائر كبيرة بالجيش الإسرائيلي نتيجة كمين نصبه هناك. 

ولا يملك “حزب الله” كل الأراضي في تلك المنطقة، حيث تعود ملكية عقارات منها إلى أهالي المناطق وبعضها لأديرة مسيحية، ويمنع عناصر حزب الله أصحابها من دخولها. ويستذكر العميد جابر تدخل أحد ملّاك الأراضي لديه من أجل التوسط لدى “حزب الله” لاستعادتها، لكن جاء الرد برفض إخلائها، مع عرض لشراء الأرض من أصحابها. 

وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية استندت إلى صور الأقمار الاصطناعية، بدأ العمل في إنشاءات المطار في أكتوبر 2022، فيما وضع الإسفلت على المدرج في يوليو 2023، وفي مطلع شهر أغسطس الماضي، تم الانتهاء من أعمال رصف المدرج وبناء مهبط للطائرات العامودية وفي أواخر أغسطس تم طلاء المدرج بعلامات الطيران‌‌.

ما الحاجة إلى مطار مكشوف؟

واعتمادا على المقارنة بين الصور التي عرضها غالانت، والخرائط الجوية التي يتيحها موقع “غوغل”، فإن المسافة التي يمتد عليها المدرج، تقارب الكيلومتر الواحد (أكثر أو أقل). إلا أن التاريخ القديم للصور المعروضة على “غوغل” لا تظهر إنشاءات عسكرية واضحة أو مدرج. 

لكن السؤال الذي تكرر على لسان خبراء عسكريين تحدث معهم موقع “الحرة” تمحور حول ما أظهرته الصور التي عرضتها إسرائيل للمطار، لناحية التخطيط وترسيم المدرج ومهبط المروحيات بهذا الشكل الواضح والمكشوف من الجو للأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع، إذا ما كان يسعى حزب الله لإخفاء هذه المنشأة كما يفعل عادة مع مواقعه ومنشآته الحساسة.

وفي هذا السياق، يلفت العميد الطيار المتقاعد، أندريه بو معشر، إلى أن هذا المطار ليس مطارا دوليا أو رسميا ليكون ملزما تخطيطه بهذا الوضوح والدقة، “وكأن الإشارات على المدرج وضعت لتظهر وتكشف بوضوح عن ماهية المنشأة”. 

ويضيف أنه لا يمكن إقامة مطار مكشوف بهذا الشكل، وله أهداف عملياتية، دون القدرة على حمايته وتأمين مجاله الجوي، في منطقة خاضعة لحسابات عسكرية دقيقة جدا. 

ولا يعتقد بو معشر بوجود فعلي لمطار عسكري “له دور عملياتي ومستدام، أو يخضع للخدمة والتجهيز”، رغم أن الصور المعروضة تشير إلى وجود مطار. 

ويتشارك في ذلك التحليل مع العميد جابر، الذي يشدد على أن المطار بحاجة إلى برج مراقبة ورادار ومعدات اتصالات وتجهيزات أخرى، “لا تبدو متوفرة في تلك المنطقة”. 

والسؤال الرئيسي، بالنسبة إلى جابر: “هل يحتاج حزب الله إلى مطار؟”. ويضيف رئيس “مركز الشرق الأوسط للدراسات”، أن “الجواب مبدئياً لا”، كون حزب الله لا يملك طائرات نفاثة، “ولا يمكن أن يكون لديه”، ولا يملك طائرات مروحية عامودية تحتاج إلى مهبط وفق ما تظهره الصور المنشورة، “وبالتالي هناك شكوك كبيرة في هذه القضية”.

ودار الحديث عن إمكانية استخدام المطار لإطلاق طائرات مسيرة عن بعد، وقال وزير الدفاع الإسرائيلي إن “المطار قد يستوعب طائرات متوسطة الحجم”، فيما نقلت رويترز عما وصفته “مصدر غير إسرائيلي على علم بالموقع”، إنه يمكن أن يتسع لطائرات مسيرة كبيرة بعضها مسلح “تشبه ما تنتجه إيران”.

لكن بالنسبة إلى بو معشر، فإنه حتى الطائرات المسيرة عن بعد، “ليست بحاجة إلى مطار بمدرج طويل كهذا”، حيث يمكن إطلاقها من أي مكان، “ويكفيها مساحة 50 مترا لتنطلق”. 

ويضيف العميد الطيار أن “أي طريق مستقيم ومعبد في جنوب لبنان بمسافة طويلة، صالح ليكون مدرجا للطائرات المسيرة”، وبالتالي يمكن لحزب الله أن يستخدمها “من دون أن يكشف عسكريا بهذه الطريقة، يمكن أن يتجول بطائراته في شاحنات ويطلقها من أي مكان مناسب”.

ويتوقف بو معشر عند مهبط الطائرات المروحية الظاهر، كون “حزب الله” لا يملكها، وإن باتت لديه فلا تحتاج إلى مهبط محدد ومرسم للهبوط والإقلاع، “فضلاً عن أنها لا تؤمن له أي إضافة عسكرية في مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي المعروف بتفوقه الكامل وغير القابل للنقاش في المنطقة”.

ويخلُص إلى أن “هامش المناورة في خوض العمليات الجوية، انطلاقا من مطار كهذا، ضيق جدا أمام حزب الله إن كان بطائرات أو مسيرات أو مروحيات”، 

حرب نفسية ورسائل موجهة

وبناء على ما تكشف من معلومات حول هذا المطار حتى الآن، إن لناحية بعده عن الحدود أو لناحية مدى انكشافه فضلاً عن مدى المدرج، يرى العميد الياس حنا، وهو خريج كلية القيادة الجوية والأركان في القوات المسلحة الأميركية، أن هذا المطار “لن يصمد دقائق أمام القصف في أي حرب مقبلة بين حزب الله وإسرائيل، وبالتالي لا جدوى عسكرية منه”. 

ويضيف أن إقامة مطار مكشوف بهذه الطريقة أقرب لأسلوب عمل الجيوش الكلاسيكية، فيما “حزب الله يسقط ويخسر حين يقاتل مثل الجيش الكلاسيكي”. 

ويحتاج إنشاء المطارات العسكرية، حتى ولو كانت للطائرات المسيرة، إلى تأمين “معطيات وشروط عدة، وفق ما يؤكد بو معشر “أبرزها المدى العملياتي والقدرة على الحماية”، ويلفت إلى إمكانية أن تكون الأمور “عبارة عن حرب نفسية”.

ويضيف أن ذلك هو الأرجح بناء على المعطيات الحالية، “فقد تكون محاولة استدراج من حزب الله لإسرائيل، وممارسة حرب نفسية عليها، أو أن إسرائيل تمارس ضغطاً على حزب الله وتحريضا دوليا وداخليا عليه، كل ذلك وارد وهنا قد يصبح مفهوماً دور هذه المنشأة”.

وهذا المطار يحمل، بالنسبة إلى حنا أيضاً “رسائل موجهة” أكثر مما يحمل أهدافاً عسكرية، أبرز الرسائل هي أن “حزب الله بات لديه كيانه الخاص في جنوب لبنان، وأن الدولة اللبنانية غائبة تماما وغير موجودة في المشهد”.

يذكر أنه لم يصدر أي تعليق عن “حزب الله” حول القضية، لا نفياً ولا تأكيداً، فيما تغيب أيضاً التعليقات الرسمية للحكومة اللبنانية على ما كشفته إسرائيل. 

أما الرسالة الثانية بالنسبة إلى حنا، “فهي موجهة لإسرائيل”، في ظل ما يحصل من تصعيد وتوتر على الحدود، لاسيما في مناطق شبعا وكفرشوبا وقضية خيم حزب الله وتحركاته وغيرها. 

ويضيف أن حزب الله إذا ما أراد أن يقيم مطاراً للطائرات المسيرة والانتحارية التي تنتجها إيران وتحتاج إلى مدارج إطلاق، “يجب لهذه الطائرات أن تطلق من مسافات أبعد، مثل البقاع اللبناني، أو منطقة القصير السورية أو القلمون الغربي، وليس من قرب الحدود الجنوبية”. 

من ناحيته، يرى جابر أن إثارة هذه القضية من الجانب الإسرائيلي، تأتي في سياق التهديد والتمهيد لأي عمل عسكري قد يحصل. 

ولا يستبعد العميد المتقاعد أن يكون الهدف من كشف “حزب الله” لهذا المدرج وتخطيطه بهذه الطريقة “هو التضليل العسكري، الذي يستخدم كثيراً بين الجيوش المتحاربة في سياق الخداع والحرب النفسية، كل ذلك وارد، ولا يمكن لأحد أن يحسم بناء فقط على صور جوية”.

ويلفت جابر إلى “تفصيل لا يجب إغفاله” لناحية الموقع، فهذا المعسكر يقع شمال مجرى نهر الليطاني، “وبالتالي لا يخرق بموقعه الجغرافي، القرار الأممي رقم 1701 الذي ينص على تراجع حزب الله وانشطته العسكرية إلى شمال مجرى النهر.”

يذكر أن زعيم حزب الله حسن نصرالله، كان قد ألمح إلى “المطار” في تصريح له يعود تاريخه إلى 12 يوليو 2023، حيث اعتبر في سياق تعليقه على قضية الخيم التي نصبها حزبه على الحدود، أنه ليس من حق أحد مساءلة حزبه عما يبنيه “إن كان خيمة أو منزل أو أبراج أو مطار… طالما أنه داخل الأراضي اللبنانية”. 

ليس المطار الأول

تجدر الإشارة إلى أن هذا المطار ليس المنشأة الجوية الأولى التي يتم كشفها لحزب الله، فقد سبق لمجلة “جاينز” العسكرية أن كشفت في تقرير لها عام 2015 عن استخدام حزب الله لموقع في البقاع الشمالي، كمدرج لإطلاق طائراته المسيرة خلال حربه في سوريا والجرود الحدودية مع لبنان. 

واعتمدت المجلة على صور التقطتها الاقمار الاصطناعية في ذلك الحين، تظهر بوضوح المدرج الذي يقع في منطقة بعيدة عن الأماكن السكنية، على بعد 10 كيلومترات من مدينة الهرمل، و18 كيلومترا إلى الغرب من الحدود مع سوريا.

ونقلت المجلة البريطانية عن خبراء لديها أن أعداد المدرج تم ما بين 27 فبراير 2013 و19 يونيو 2014، وهو عبارة عن طريق غير معبد بطول 670 متراً وعرض 20 متراً، يمكن استخدامه لإقلاع وهبوط طائرات مسيّرة من دون طيار إيرانية الصنع، بما يشمل طائرات استخدمها حزب الله في سوريا.

كذلك كشفت صور الاقمار الاصطناعية، وفق المجلة، وجود هوائي على تلة قريبة من المدرج، يستخدم لتوسيع نطاق التحكم والسيطرة الأرضية بالطائرات المسيرة، إضافة إلى مبان صغيرة قريبة، وأخرى بعيدة تكفي لاستيعاب طائرات مسيرة، بأحجام مختلفة.

وذكر التقرير في حينها أنّ إيران تقوم بمساعدة كل من تنظيمي “حماس وحزب الله” على بناء أسطول طائرات بدون طيار انتحارية، وتزودهم بكل المعلومات اللازمة لتطوير هذا النوع من السلاح.

وسبق أن أثارت طائرات حزب الله المسيرة جدلاً واسعاً في لبنان، بعد رصد تسييرها في مواقع عدة بين العامين 2013 و2014، من بينها منطقة معراب التي يقيم فيها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وهو من أبرز الخصوم السياسيين لـ”حزب الله” في لبنان، ما أثار اتهامات للتنظيم المسلح بالتجسس على خصومه. 

وكان لافتاً في المعلومات التي نقلتها وكالة رويترز قبل يومين عن مصدرها، حول المطار، أن المسيرات التي قد تنطلق من هذا الموقع “يمكن استخدامها في الأنشطة العملياتية الداخلية والخارجية”، وأن “طبيعة مدرج الطيران واتجاهه يشيران إلى أنه سيستخدم داخليا على الأرجح”، الأمر الذي أثار المخاوف في الداخل اللبناني مجددا. 

وبغض النظر عن وجهة الاستخدام، يشرح بو معشر أن لا علاقة لوجهة المدرج بوجهة استخدام المطار، داخليا أم خارجياً، فتنفيذ المطار “يتم وفقاً للاتجاه العام للرياح لتسهيل عملية الإقلاع والهبوط، وليس بحسب وجهة استخدام الطائرة، وبالتالي لا معنى للقول إن كانت وجهة استخدام المطار داخلية أم خارجية بناء على اتجاه المدرج.” 

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكتشاف المزيد من صدى الارز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading