صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

“عقدة أوديب” في الحالة العونية

بقلم : أمجد اسكندر - إجماع شعبي وسياسي على تمديد بقاء قائد الجيش اللبناني في ظل الشغور الرئاسي والفراغ المستشري في مؤسسات الدولة

في الميثولوجيا اليونانية القديمة قتل الملك أوديب أباه وتزوج أمه. وبعدما أدرك فعلته الشنيعة انتقم من نفسه باقتلاع عينيه. شيء من هذا القبيل يحصل في مآسي السياسة اللبنانية. بمعزل عن تفاصيل اليوميات السياسية والتعقيدات التي لا نهاية لها، تختصر “الظاهرة العونية” (نسبة إلى ميشال عون) “عقدة أوديب”. فهذا الرجل هو نتاج “صيغة 43” التي حكمت لبنان منذ الاستقلال عام 1943، والتي تنسب إليها قوى سياسية عديدة، السبب بانفجار الحرب الأهلية عام 1975. صيغة ولدت ملتبسة اختصرها الصحافي جورج نقاش بشعار هو “نفيان لا يصنعان أمة”، أي إن تخلي المسيحيين عن “أمهم الحنون” فرنسا، وتخلي المسلمين عن طلب الوحدة مع سوريا، لا يكفيان لقيام وطن. 

من رحم هذا الالتباس وصل ميشال عون إلى قيادة الجيش اللبناني، وسكن في قصر الرئاسة مرتين، المرة الأولى عام 1988 رئيساً لحكومة انتقالية مهمتها انتخاب رئيس جمهورية، بعدما تعذر الانتخاب لأسباب يطول شرحها، والمرة الثانية رئيساً أصيلاً للجمهورية في عام 2016. من تصدعات الصيغة اللبنانية، سواء كانت “صيغة 43″، أو “صيغة اتفاق الطائف”، تسلل ميشال عون إلى السلطة. ومع كل وصول وعند كل خروج، ترك ميشال عون وراءه ندوباً لا تمحى في جسد الدولة. “صيغة 43” التي أوصلته إلى قيادة الجيش ورئاسة الحكومة الانتقالية، وأمعن في انتهاك “روح الوفاق الوطني”، وشن في رعايتها حربين مدمرتين، الأولى داخل الصف المسيحي، والتي عرفت بـ”حرب الإلغاء”، والثانية على مستوى كل لبنان، والتي عرفت بـ”حرب التحرير” ضد هيمنة جيش النظام السوري على القرار اللبناني. وانتهت الحربان بقيام لبنان جديد عرف بـ”لبنان اتفاق الطائف”. 

عارض عون بشدة صيغة “الوفاق الوطني” الجديد، وظل معارضاً لهذا “النظام” إلى أن تحالف مع “حزب الله”، واستطاعا بالتكافل والتضامن، تعطيل مؤسسات الدولة لعامين، بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، كوسيلة ضغط حملته إلى رئاسة الجمهورية. باختصار ابن “نظام 43” قتل والده. وفي علاقة غير شرعية مع “نظام الطائف” وصل مجدداً إلى رئاسة الجمهورية. وربطاً بالحدث الآني في السياسة اللبنانية، كان لميشال عون الكلمة الفصل في وصول العماد جوزيف عون إلى قيادة الجيش. تتابعت الأحداث منذ عام 2016، ووجدت “الحالة العونية” نفسها في صدام مباشر مع الناس في تظاهرات “17 تشرين” عام 2019. التيار الذي بنى مجده على الشعبوية، أطاحته حالة شعبية من نوع “17 تشرين”. وصب “التيار العوني” جام غضبه على العماد جوزيف عون، لأنه لم يقمع تلك التظاهرات. بهذا الخصام مع الجيش اللبناني، أكمل “التيار العوني” الذي عرف يوماً بـ”تيار الجيش”، الفصل الأخير من “العقدة الأوديبية”، وهي “العمى السياسي”. 

تاريخ التيار العوني حافل بالتناقضات. خلال توسله التظاهرات الشعبية أداة ضغط لوصوله إلى رئاسة الجمهورية، اشتهرت عبارة ميشال عون، وهو يهدد قائد الجيش جان قهوجي عام 2015، “إياك يا جان قهوجي أن تنزل الجيش في مواجهتنا”. منذ ثمانينيات القرن الـ20 بنى ميشال عون خطته للوصول إلى السلطة على شعار “الجيش هو الحل”. وصدقت شريحة كبرى من اللبنانيين هذا الشعار، الذي لا يصح أبداً في قيامة أي دولة عصرية. ولنا في جيوش الأنظمة العربية المثل الصارخ. وبعرف “العونيين” ارتكب العماد جوزيف عون معصية كبرى لأنه لم يقمع التظاهرات التي كانت تندد بكل الأوهام العونية. في 10 يناير (كانون الثاني) المقبل، تنتهي ولاية العماد جوزيف عون بعد بلوغه سن التقاعد القانونية. وثمة إجماعان شعبي وسياسي على تمديد بقائه لعام إضافي، في ظل الشغور الرئاسي والفراغ المستشري في مؤسسات الدولة. غالب القوى السياسية تجد أن جوزيف عون استطاع المحافظة على مؤسسة الجيش، وعلى دورها الوطني من دون تحيز لأي جهة. 

وعلى رغم الضائقة المالية التي يعانيها العسكريون، بقي الجيش متماسكاً على رغم كل التحديات. وثمة إجماع دولي على دعم الجيش وبقاء عماده في هذه الظروف الاستثنائية، ولكن الشعب والدول الداعمة في وادٍ، و”التيار العوني” في وادٍ آخر. هناك إصرار على إزاحة جوزيف عون، لسببين، الأول لتأديبه على عدم انصياعه، والثاني لأن بقاءه في قيادة الجيش يعزز حظوظه في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. والتيار الذي لم يهضمه في قيادة الجيش كيف سيهضمه في رئاسة الجمهورية؟ وبينما تتجه القوى السياسية إلى التمديد لجوزيف عون عبر جلسة قريبة للمجلس النيابي، يكتب “التيار العوني” الفصل الأخير من علاقته بالمؤسسة الوطنية الوحيدة التي تمنع سقوط الدولة نهائياً. 

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

بدا واضحاً أن “الجيش هو الحل” إذا كان وسيلة لوصول “العونيين” إلى السلطة. و”الجيش هو المشكلة” إذا كان عقبة في عودتهم إلى السلطة. في خضم تظاهرات “17 تشرين” عام 2019 حاول الرئيس ميشال عون أن يدافع عن نفسه في مواجهة الغضب الشعبي، فعقد لقاءً تلفزيونياً كان طامة كبرى عليه. فرداً على سؤال دعا الشعب اللبناني إلى خطوة من الغريب أن تصدر عن رئيس للجمهورية، قال إنه لم يرَ أبداً عبر التاريخ، كالذي يحصل اليوم، وتساءل: هل توجد أية ثورة من دون قائد؟ ولتبلغ المأساة “الأوديبية” الخاتمة الفجيعة توعد المتظاهرين بأنهم لن يصلوا إلى السلطة، وإذا كانوا لا يجدون في الدولة أشخاصاً نزيهين “فليذهبوا ويهاجروا”. 

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *