صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

رهان ربع قرن على لغز الوعي كسبته الفلسفة وهزمت العلم

بقلم : أحمد مغربي - لعلها مصادفة متألقة أن يتزامن كسب الفلسفة رهانها ضد قدرة البحوث العلمية عن الدماغ على فهم الوعي عند الإنسان، مع النقاشات العالمية الفوارة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي. واستباقاً، من المؤلم أن تلك النقاشات أثبتت عمق تجذر التفكير النقدي العلمي في الغرب الساعي إلى التعمق بالسيطرة الإيجابية على تلك الأداة العلمية المتطورة، فيما تخبط معظم التفكير عربياً في نمطية عفا عنها الزمن، بما في ذلك أن تعامله "الإيجابي" مع التقدم العلمي جاء على هيئة التفكير بالتقنية كأنها سحر يقدر على الاتيان بكل ما يخطر، بل ولا يخطر، على بال وخيال.

إذاً، فلنعد إلى الولايات المتحدة، بل تحديداً مدينة نيويورك. في 24 حزيران (يونيو) 2023، انتهى رهان دام ربع قرن بخسارة علوم الأعصاب والدماغ أمام فلسفة العلم التي تحدّته بأن ظاهرة الوعي لا زالت ضمن مساحات التفكير النقدي الفلسفي وتأملاته العميقة فيها. إذ اعتبرت الفلسفة أن الوعي ظاهرة لا تختزل بعمل المخ وشبكات الأعصاب فيه والمناطق المرتبطة بقدرات معينة كالإدراك والرؤية والسمع والحركة والتعامل مع اللغة والأرقام والصور والروائح والرغبة وغيرها.

لنعقد أصابع الرجاء

زاد في عمق الانتصار الفلسفي أن الإعلان عنه الذي غطته مجلة “نايتشر” العلمية الشهيرة، أتى على الطريقة المثلى للمنافسات الرياضية، بمعنى أن يسلم الخاسر بعلو كعب منافسه ويهنئه على فوزه المستحق.

وتوضيحاً، جاء الإعلان عن الانتصار الفلسفي أثناء المؤتمر السنوي لـ”رابطة الدراسة العلمية للوعي”Association for the Scientific Study of Consciousness، اختصاراً “إيه أس أس سي”  ASSC. وجرى التذكير بأنه في العام 1989، انعقد رهان ضمن أعمال المؤتمر السنوي لتلك الرابطة، بين الفيلسوف ديفيد شالمز والمتخصص في علوم الأعصاب كريستوف كوش. وآنذاك، راهن الأخير على أن العلم سيصل إلى فهم علمي تقني عن حالة الوعي لدى البشر مع حلول العام 2023. وحاضراً، يشغل شالمرز منصب المدير المساعد لـ”مركز العقل والدماغ والوعي” بجامعة نيويورك Center for Mind, Brain and Consciousness at New York University. وتعرف الأوساط الطبية البروفيسور كوش جيداً بوصفه باحثاً مُكرّساً في “معهد ألن لعلوم الدماغ” Allen Institute for Brain Science  بمدينة سياتل، عاصمة ولاية واشنطن.

وبكلمات تناسبت مع عمق المناسبة، أعلن الفائز شالمرز أن موقعه في ذلك الرهان الذي امتد سنوات طوال، استند إلى نقطة بداية قوية، بمعنى عدم وجود تفسير علمي لحالة الوعي، فيما انطلق منافسه كوش من نقطة جرئية ومتوثبة قوامها السعي إلى حل ذلك اللغز بالتقنيات العلمية. وبالتالي، بدا منطقياً ان يستطرد الفيلسوف الفائز كي يشدد على أن تلك النتيجة ليست نهاية القصة، معتبراً أن العلم سيصل يوماً ما إلى تفكيك شيفرة حالة الوعي، ولافتاً إلى “حدوث تقدم وافر في ذلك الحقل”، وفق مجلة “نايتشر”.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

التفكير النقدي ومعايشة التناقضات

قبل المضي في مزيد من التفاصيل، ثمة مصادفة اخرى ربما تستطيع أن تلقي أضواء جديدة على معنى ذلك التنافس العقلي. إذ تعيد كلمات شالمرز الأميركي إلى فيلسوف غربي اخر يتصادف إنه يحمل أيضاً كنية شالمرز.

وفي كتاب المفكر المتخصص في فلسفة العلوم، الآن شالمرز “تطورات حديثة في فلسفة العلوم” Recents Developpements en Philosophie des Sciences (1976) الذي صدر بترجمة عربية عن “دار توبقال” في المغرب للأستاذين الحسين سحبان وفؤاد الصفا (1981) بعنوان “نظريات العلم”، يشدد المؤلف على وجود انحرافين، في الأقل، يتعلقان بالطريقة التي تتعامل فيها المجتمعات المعاصرة ومدارسها الفكرية مع العلم، لكنهما يتشاركان في رفض التفكير النقدي في العلم. من جهة، هنالك ما يسميه الآن شالمرز “أيديولوجيا العلم” بمعنى التعامل مع العلوم بوصفها الحكم النهائي على الحقيقة بالنسبة إلى عقول البشر. ومن الأمثلة التي يوردها الآن شالمرز على ذلك، الميل إلى دعم الإيمان الديني أو الإيديولوجي بالعلم، على غرار القول بأن هذا الأمر أو ذاك في العلم، يتفق أو يبرهن هذه أو تلك من السرديات الأيديولوجية أو الدينية. وعلى الطرف الاخر من ذلك، هناك مجموعة مدارس ترفض الأخذ بكل ما ينتجه العقل البشري من استكشاف علمي لأمور الإنسان والكون، مع ما تحمله من مضامين بالنسبة إلى الفكر والعقل. ويصر أصحاب تلك الاتجاهات على إبقاء الفكر والوعي حكراً على مدارس فلسفية أو دينية. وكخلاصة، يشدد الآن شالمرز على أن نقطة البداية في التعامل النقدي مع العلم تتمثل في التسليم بأنه استكشاف عقلي لم يكتمل، بل ربما لا يصل إلى الكمال، ما يوجب على العقل تشرّب مسار التقدم العلمي والتمعن فيه استناداً إلى الفلسفة والثقافة اللتان تغتنيان أيضاً بمعطياته عبر التفاعل النقدي معه.

ما الذي استعصى على ربع قرن من البحوث؟

وبالعودة إلى الحدث الأميركي الوارد في مطلع المقال، أوضحت “نايتشر” أن الرهان بين العلم والفلسفة تمحور حول ظاهرة الوعي. وقد حسمت النتيجة بالاستناد إلى دراسة موسعة عرضت في ذلك المؤتمر النيويوركي، تضمنت مراجعة لمجموعة ضخمة من البحوث بشأن الأساس العصبي في الدماغ، عن حالة الوعي لدى الإنسان. وأوردت الدراسة أن تلك البحوث سارت تحت افتراضين رئيسين عن علاقة الدماغ بالوعي، تسمى الأولى “نظرية المعلومات المتكاملة” Integrated information theory، وتشتهر الثانية بعبارة “نظرية التشبيك العام المتعلق بإطار العمل” global network workspace theory  . ووظفّت تلك البحوث تقنيات فائقة التطور في التعرف إلى وظائف الدماغ كالتصوير بأشعة البوزيترون BET Scan والمسح الوظيفي بالرنين المغناطيسي  fMRIوأدوات التعامل مع التراكيب الجينية لأعصاب الدماغ Optogenetics وغيرها. وللأسف، لا يتسع المجال لشرح تفاصيل تلك التقنيات. ولكن، بالنتيجة، لم تستطع البحوث تقديم براهين علمية كافية عن الافتراضين كليهما.  

ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، انخرط كوش في بحوث عن التفاعلات العصبية المرتبطة بالوعي. ووصف أبحاثه المتواصلة منذها، بأن تحرت وجود “مناطق ومساحات صغيرة في الدماغ تكون أساسية وضرورية بشكل فعلي، كي يولد الدماغ الإحساس بالرؤية والسماع أو السعي إلى الأشياء”. وفق مجلة “نايتشر”، يُعرَف عن ظاهرة الوعي بأنها لا تختزل بمجرد اليقظة والتنبه والتركيز واستخدام الحواس في التفاعل مع كل ما يحيط بالإنسان. إذ تحدث حالة الوعي في العقل الذي يجمع تلك المعطيات الحسية كلها، ويحولها إلى مدركات، ويضيف إليها المشاعر والأحاسيس والأفكار والعلاقة مع الزمان والمكان والأفراد والسياقات المرتبطة بتلك الأشياء، بالإضافة إلى أشياء كثيرة اخرى. ووفق الأميركي ديفيد شالمرز، “منذ البداية نظرت الفلسفة إلى الوعي باعتباره لغزاً ضخماً تتأمله وتفكر فيه”، ومع تطور العلاقة بين العلم والفلسفة، تحول اللغز الفلسفي إلى لغز علمي أيضاً.

من المستطاع إعطاء نموذج مبسط عن الوعي. حينما تكون الأم موجودة، تحضر عبر الحواس الخمسة، لكن ترافقها أشياء كثيرة تتبدل مع العمر، بما في ذلك الروائح والذكريات والأحاسيس والأشخاص والغرائز وغيرها. ليس صعباً تأمل كيف يتدرج العقل من العلاقة الطفولية مع الأم، حيث غلبة الغريزة والحواس والسعي إلى البقاء، إلى علاقة تتضمن الأمومة كمفهوم عقلي مجرد، يبقى متفاعلاً مع كل المعطيات الاخرى. ويعمل التفكير العقلي على استخراج مفهوم مجرد، هو الأمومة، من تلك التجارب المتنوعة التي تتفاوت بين الأفراد، لكنها لا تمنع الأفراد من استخدام الأمومة كمفهوم، بل يركنون إلى أن سواهم من البشر سيفهمون بشكل عام مقصدهم منه.

عند هذه النقطة، تبرز ضرورة الإشارة إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي مقال ذاع صيته كتبه بيل غيتس في أواخر مارس 2023 [قدمه موقع “اندبندنت عربية” أيضاً] يبرز تشديد على عدم قدرة ذكاء الآلات على التفكير المجرد، وهو جزء من ظاهرة الوعي لدى الإنسان. ولعلها مسألة تستأهل تكريس مقال أو عدد من المقالات، بغية نقاش دلالة أن يشدد مؤسس مايكروسوفت التي تبنت شركة “أوبن إيه آي” المبتكرة لـ”تشات جي بي تي”، على عدم قدرة الذكاء التوليدي على التفكير المجرد الذي يستخدمه البشر ببداهة، وضمن أشياء عميقة اخرى في ظاهرة الوعي.

وكبداية، ألا تصلح ملاحظة غيتس، مع ترابطاتها العميقة بالمعطيات عن ظاهرة الوعي ورهان الـ25 سنة بين الفلسفة والعلم المرتبطة بها، لتكون إشارة تنبيه صغيرة تحاول المطالبة بالسعي إلى الخروج عربياً من أحوال الانشداه والاندهاش والاستلاب [كلها مرادفات لغياب الوعي]، حينما نفكر بتقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ مجرد سؤال.

تابعوا أخبارنا على Google-News

نلفت الى أن منصة صدى الارز لا تدعي بأنها وسيلة إعلامية بأي شكل من الأشكال بل هي منصة الكترونية ملتزمة القضية اللبنانية ( قضية الجبهة اللبنانية) هدفها الأساسي دعم قضية لبنان الحر و توثيق و أرشفة تاريخ المقاومة اللبنانية منذ نشأتها و حتى اليوم

ملاحظة : التعليقات و المقالات الواردة على موقعنا تمثل حصرا وجهة نظر أصحابها و لا تمثل آراء منصة صدى الارز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكتشاف المزيد من صدى الارز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading