صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

“انتصار مهما صار”

بقلم : أمجد اسكندر - "انتصار آخر كهذا وسوف ندمر تماماً"، العبارة لملك إغريقي اسمه بيروس، خاض حروباً ضد الرومان بعد موت الإسكندر المقدوني، وأغلب معارك بيروس تكللت بالنجاح، ولكن في مرات عدة عاد لمملكته فاقداً معظم ضباطه وجنوده، وبعد معركة "أسكوليوم" عاجله أصدقاؤه بالتهاني والتصفيق فتنهد وقال هذه المقولة، لأن الإغريق أرباب المنطق في النصر والهزيمة.

الأمين العام لـ “حزب الله” اللبناني حسن نصرالله له رأي آخر، فخلال ثلاثة أشهر خسر أكثر من 130 عنصراً ناهيك عن الدمار الكبير في المباني والممتلكات، وعلى رغم ذلك استفاض في إطلالته أول من أمس الأربعاء في تعداد انتصارات الحرب التي لم تقع بعد.

ما يدعوها نصرالله “جبهة إسناد غزة” هي في الواقع حرب استنزاف بشري واقتصادي، فكيف خففت حرب الاستنزاف في الجنوب الوطأة العسكرية عن شعب غزة؟ فهذا سر لم يدركه حتى الآن المحللون العسكريون الموضوعيون.

الخراب الفكري الذي استجلبه “محور الممانعة” يبدو أشد ضرراً على المدى المتوسط والبعيد من الخراب المادي وخسائر الأرواح، وكيف يمكن النقاش أو الحوار مع أصحاب عقيدة “انتصار مهما صار”؟

مشهدان تلفزيونان من القرن الـ 21 لنصرالله والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وكأنهما استرجاع لماضي  الألماني أدولف هتلر والسوفياتي جوزيف ستالين، حشد شعبي منتظم وعيون مشدودة إلى الزعيم، وعندما تحتد النبرة يعلو التصفيق الحار، ثم يقف الجالسون “روبوتياً” وتتحرك القبضات بإيقاع واحد، والصرخة ذاتها في بيروت وصنعاء وبيونغ يانغ “الموت لأميركا… الموت لإسرائيل”.

قبل أيام أجهش جونغ أون بالبكاء وهو يستمع إلى تقرير يتحدث عن استعداد أمهات كوريا الشمالية للتضحية في سبيل أطفالهن، كوريا الشمالية كالضاحية الجنوبية في مصير مشترك، تصفيق وبكاء وصناعة صواريخ، ولا حاجة إلى الصناعات الأخرى، وفي المكانين الإقفال الفكري سيد الموقف.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

لا يجد نصرالله غضاضة بالجهر أن “حزب الله” فتح معركة الاستنزاف في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي بعد 24 ساعة على “طوفان الأقصى”، والمشكلة ليست فقط أن الدولة اللبنانية لم تكن تعلم، بل نصرالله نفسه لم يكن يعلم، إذ قال بالصوت والصورة ما معناه أن “حركة ’حماس‘ لم تستشرنا ولم تنبهنا ولم تنذرنا ولم تنسق معنا، مثلنا مثل غيرنا، استيقظنا ذلك الصباح وعرفنا بالعملية من وسائل الإعلام”.

وعلى رغم ذلك فقد فتح المعركة بعد 24 ساعة، ولربما أن الإسكندر المقدوني أو الجنرال البريطاني برنارد مونتغمري كانا أخذا مهلة أطول، فهذا التسرع لا يضير طالما أن النصر دائماً في منطق “الممانعين” سابق للمعركة.

تفكيك منطق الممانعين لا يرجى منه فتح قنوات المناقشة معهم، فهنا المنطق مقفل على ذاته، لكن رصد ما يُقال يشكل رياضة فكرية، وقال نصرالله لو لم نفتح المعركة لكانت إسرائيل دمرت لبنان، لقد فتحنا الجبهة لنفقدهم عنصر المفاجأة.

كان الاعتقاد أن “وضعية الردع” التي روّج لها “حزب الله” لأعوام قائمة على الردع العسكري لا “ردع المفاجآت”، والوقوع في حبائل حرب استنزاف غير متكافئة، وبالعودة للقائد الإنجليزي مونتغمري والذي كثيراً ما اختلف مع رئيسه ونستون تشرشل، فقد قال يوماً “لا أحب الساسة حين يتحولون إلى جنرالات، ولا الجنرالات حين يتحولون إلى ساسة”، وقد كان ذلك قبل عصر المتحورات في كل شيء.

على الجبهة النازية كان جوزيف غوبلز فقيهاً لغوياً ورئيس جهاز الـ “بروباغندا”، ومن أقواله “كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي”، وهناك توق عربي شامل بأن تنهزم إسرائيل في غزة والضفة وجنوب لبنان، ولكن نصرالله يبعد شبح التمني بهذه الثقافة المقفلة.

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *