صدى الارز

كل الأخبار
مشاهدة متواصلة
إستطلاع
تقاريرنا
أرشيف الموقع
Podcast
إشتركوا في نشرتنا

المرضى والأطباء في خندق الانهيار المالي في لبنان

بقلم : فدى مكداشي - الأزمة الاقتصادية فرضت تحديات كبيرة على القطاع الطبي ودفعت أكثر من 1.2 مليون شخص إلى مراكز الرعاية الصحية

يعاني القطاع الصحي في لبنان ظروفاً مالية صعبة جداً نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، مما يتسبب في تراجع الخدمات الطبية وزيادة تكاليفها. تأثير هذه الظروف يطاول بشكل كبير قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج الملائم والعناية الضرورية، ويفرض أعباء كبيرة على القطاع الطبي على حد سواء.

فما البديل اليوم وإلى أي مدى مراكز الرعاية الصحية الحالية مهيأة لتوفير خدمات طبية بأسعار معقولة وجودة عالية؟

جولة على المراكز الطبية

في جولة على أحد مراكز الرعاية الصحية في العاصمة بيروت، يقول أحد المواطنين “الكل يشكو من التفاوت في الأسعار عند الذهاب إلى الأطباء، أتفهم أن الطبيب له الحق في العيش الكريم، لكن عليه أن يراعي ظروف المرضى، فالمرض يصيب الجميع من أثرياء وفقراء على حد سواء، وللنقابة دور كبير في وضع حد لفلتان التسعيرة أي الكشفية”.

ويقول مواطن آخر “المشكلة عند ذهابي إلى أي طبيب، أشعر وكأنني في ولاية من ولايات أميركا، إذ إن بعضهم يسعرون بالدولار الأميركي، وهذا مناف للأخلاق والتشريعات القانونية”، مضيفاً أنه “مع الفلتان الذي يضرب قطاع الصحة خصوصاً عند الأطباء، أصبحت ألجا إلى المستوصفات شبه المجانية لأخذ العلاج اللازم”، متمنياً لو كان “لاجئاً حتى تساعدني الجمعيات الدولية والأمم المتحدة في ذلك، في ظل تقاعس الدولة بجميع مؤسساتها”.

إنضموا الى قناتنا على يوتيوب

هجرة الكوادر الطبية

في السياق يشير وزير الصحة العامة الدكتور فراس الأبيض، في حديث خاص لـ”اندبدنت عربية”، إلى أن “لبنان يعاني حالياً أزمة اقتصادية ومالية عميقة، إذ يشهد تدهوراً سعر صرف الليرة اللبنانية  أمام الدولار، مما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية. هذا التراجع انعكس سلباً على دخل الأطباء الذين يتقاضون أجوراً أقل بكثير مقارنة بأقرانهم في دول أخرى. وكانت رسوم المعاينة سابقاً 75 ألف ليرة، أي ما يعادل 50 دولاراً أميركياً. ولكن اليوم، يتطلب دفع 50 دولاراً ما يقارب 5 ملايين ليرة أي ما يفوق الحد الأدنى للأجور بشكل خيالي”.

ويلفت الأبيض إلى أنه “في لبنان نواجه مشكلتين رئيستين: أولاً نحن بحاجة إلى البحث عن سبل لمساعدة الأشخاص الذين يحتاجون للوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، خصوصاً الفئات الأشد هشاشة. ثانياً وفي الوقت نفسه، يغادر 30 في المئة من الأطباء لبنان جراء الأزمة الاقتصادية”، معتبراً أنه “في حال زادت الضغوط على الأطباء وفرض العمل عليهم بشكل شبه مجاني، سنكون أسهمنا بدفعهم بطريقة غير مباشرة إلى الهجرة بحثاً عن حياة أفضل”.

بدوره يشير نقيب أطباء لبنان في بيروت البروفيسور يوسف بخاش إلى أن “لبنان في الوقت الحالي يواجه حاجة ملحة إلى طب الطوارئ، إذ يحتاج البلد إلى 400 طبيب طوارئ، إذ إن الواقع الحالي يظهر وجود أقل من 40 طبيباً فقط في هذا المجال الذين يتركزون في المستشفيات الجامعية في بيروت، في حين أن المستشفيات في المناطق النائية تواجه صعوبات في نقص هذه الكوادر، مما يؤدي إلى اللجوء إلى أطباء غير متخصصين لتقديم الخدمات الطبية”.

تحديد التعرفة

وعن الجهة المسؤولة عن تحديد التعرفة الطبية يوضح الأبيض أن “الجهات الضامنة، بما في ذلك وزارة الصحة، تلعب دوراً مهماً في تحديد تعرفة العيادات داخل المستشفيات”، لافتاً إلى أن “وزارة الصحة مسؤولة حصراً عن تعرفة خاصة بمرضى الوزارة، وتقوم بضبط هذه التعرفات وفقاً للإمكانات المالية المتاحة. لذلك في بعض الأيام تكون التعرفة التي تدفعها الوزارة أقل مما هو مطلوب، التي تعادل حالياً 20 في المئة مما كانت عليه سابقاً بسبب الأوضاع المالية الخانقة”.

ويضيف وزير الصحة “هناك دور أيضاً لنقابة الأطباء في محاولة تنظيم تعرفة الرسوم الطبية وتحديد الأسعار. ونعم هناك أطباء يفرضون تعرفات تتجاوز ما هو محدد، على رغم أن القانون اللبناني لا يفرض سقفاً مرتفعاً ولا يجبر الأطباء على تحديد رسوم معينة. ويعتبر هذا الخيار حرية فردية يحق للطبيب بموجبه أن يحدد كلفة خدماته”، معتبراً في الوقت عينه أن “اقتصاد السوق الحر في مجال الطب والصحة يثير مناقشات كبيرة، إذ يتبنى كل قطاع نظامه الخاص”.

بدوره يؤكد بخاش أنه “وفقاً لقانون الآداب الطبية، لدى الطبيب المعالج الحرية التامة في تحديد التكاليف، إذ يعتبر العلاج اتفاقاً بين الطبيب والمريض. كما ينص القانون على أن “الطبيب يجب أن يأخذ في الاعتبار الوضعين الاجتماعي والمالي لكل مريض”.

دور وزارة الصحة والنقابة

وعن دور وزارة الصحة في هذا الإطار يشير الأبيض  إلى أن “دور وزارة الصحة في المستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الصحية يتمثل في محاولة تقديم الخدمات بكلفة ميسورة، خصوصاً للطبقات الأشد هشاشة. أما في ما يتعلق بالإجراءات مع المستشفيات، فإذا وردت شكاوى من أي مستشفى، نقوم بإرسال إنذارات أولاً، ثم نقوم بخصم أو تجميد جزء من مستحقاتنا معهم كإجراء تأديبي. كما لدينا مراقبون صحيون يتابعون الالتزام بالمعايير. أما في ما يتعلق بالأطباء، فالنقابة هي الجهة المسؤولة حصراً عن تنظيم أعمالهم.”

أما بالنسبة إلى دور النقابة في تحديد التعرفة ومنع التلاعب، يوضح البروفيسور بخاش أن “دور النقابة يتمثل في وضع التوجيهات والتوصيات، وتحديد الحد الأدنى لتجنب التلاعب والمضاربات بين الزملاء”، لافتاً إلى أن “مجلس النقابة اجتمع منذ أشهر وأصدر توجيهات إلى الأطباء، محدداً أن بدل أتعاب الطبيب العام لا ينبغي أن يكون أقل من 20 دولاراً أميركياً أو ما يعادلها، والاختصاصيين يكون الحد الأدنى 25 دولاراً أميركياً. وفي المقابل نرى أن كثيراً من الأطباء، خصوصاً في المستشفيات الجامعية والعيادات الخاصة، يفرضون رسوماً تتراوح ما بين 50 و100 دولار أميركي كبدل أتعاب الطبيب”.

النزوح باتجاه القطاع العام

أصبح التوجه نحو المستشفيات الحكومية أو مراكز الرعاية الأولية – التي تقدم خدماتها بكلفة أقل – هو البديل المفضل لدى أغلبية اللبنانيين.

ويشير الأبيض إلى أنه “خلال العام الماضي زار أكثر من 1.2 مليون شخص مراكز الرعاية الصحية، فيما ازداد عدد اللبنانيين الذين يتوجهون نحو هذه المراكز أربع إلى خمس مرات في ظل الأزمة، وهذا دليل واضح على النزوح من القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي”.

ويكشف الأبيض أنه “في بعض مراكز الرعاية كانت التعريفات محددة بحوالى 20 ألف ليرة لبنانية، وهي ما يعادل 20 سنتاً، ولكن ارتفعت التكاليف إلى 100 ألف ليرة لبنانية، أي ما يعادل الدولار، وتشمل هذه التكاليف الزيارة والدواء. أما بالنسبة إلى المستشفيات الخاصة فتغطي تعرفة وزارة الصحة تقريباً 20 في المئة من الكلفة، مما يجعل كثيراً من المستشفيات ترفض استقبال المرضى المسجلين على حساب وزارة الصحة، مما يضطرهم إلى الاتجاه نحو المستشفيات الحكومية التي تحل محل المستشفيات الخاصة”.

من ناحيته يلفت بخاش إلى أن “مراكز الرعاية الأولية عادة ما ينظر إليها في سياق سلبي يرتبط بالفقر، ولكن في الحقيقة هي مراكز ضرورية يجب الاستفادة منه. في هذه المراكز طبيب العائلة والطبيب العام يلعبان دوراً أساسياً وغالباً ما يحلان المشكلات الصحية. يجب علينا الاستفادة من الخدمات المتاحة، خصوصاً مع تحسن الأوضاع مستقبلاً، إذ يجب التركيز على الطب العام لضمان الرعاية والعلاج للجميع بأعلى جودة ممكنة.”

الأخطار

أما بالنسبة إلى الأخطار، فيحذر الأبيض من أنه “بسبب ارتفاع كلفة العلاج، نرى بعض المرضى يؤجلون زيارة الطبيب، مما يؤدي في المستقبل إلى تفاقم الأمراض ويزيد من تكاليف العلاج علينا”، مؤكداً أن “عمل الوزارة الدؤوب على تعزيز برامج الرعاية الأولية لتشجيع المواطنين على زيارة الطبيب في وقت مبكر للتقليل من تكاليف الإصابة صحياً ومادياً”.

من جهته يسلط النائب الدكتور عبدالرحمن البزري الضوء على “تحديات استقطاب والحفاظ على الكوادر الطبية الكفوءة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، مما دفع عديداً من الأطباء والممرضين والفنيين الطبيين للهجرة إلى الخارج”.

ويؤكد البزري أيضاً “الحاجة إلى تحقيق توازن في الرسوم الطبية التي تخدم مصالح الطبيب وتوفر فرص الرعاية الصحية للمرضى”، مشدداً على “أهمية تحسين الرعاية الصحية الأولية لجعل الخدمات الطبية متاحة وميسورة للمواطنين في جميع المناطق، إلى جانب تقوية الطب الوقائي والكشف المبكر لتقليل تكاليف العلاج وتخفيف الأعباء عن المرضى”، مؤكداً “أهمية تعزيز دور المستشفيات الحكومية لتوفير خدمات طبية بكلفة مناسبة”.

تابعوا أخبارنا على Google-News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *